لقد حق عليهم جزاء النكول عن عهدهم مع الله ، والنكوص عن مقام الإنسان ذي الإرادة. فانتكسوا بهذا إلى عالم الحيوان والبهيمة ، الحيوان الذي لا إرادة له ، والبهيمة التي لا ترتفع على دعوة البطون! انتكسوا بمجرد تخليهم عن الخصيصة الأولى التي تجعل من الإنسان إنساناً. خصيصة الإرادة المستعلية المستمسكة بعهد الله.
وليس من الضروري أن يستحيلوا قردة بأجسامهم ، فقد استحالوا إليها بأرواحهم وأفكارهم ، وانطباعات الشعور والتفكير تعكس على الوجوه والملامح سمات تؤثر فِي السحنة وتلقي ظلها العميق!
ومضت هذه الحادثة عبرة رادعة للمخالفين فِي زمانها وفيما يليه ، وموعظة نافعة للمؤمنين فِي جميع العصور:
{فجعلناها نكالاً لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين} .. وفي نهاية هذا الدرس تجيء قصة"البقرة".. تجيء مفصلة وفي صورة حكاية ، لا مجرد إشارة كالذي سبق ، ذلك أنها لم ترد من قبل فِي السور المكية ، كما أنها لم ترد فِي موضع آخر ؛ وهي ترسم سمة اللجاجة والتعنت والتلكؤ فِي الاستجابة ، وتمحل المعاذير ، التي تتسم بها إسرائيل:
وإذ قال موسى لقومه: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة. قالوا: أتتخذنا هزواً؟ قال: أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين. قالوا: ادع لنا ربك يبين لنا ما هي؟ قال: إنه يقول: إنها بقرة لا فارض ولا بكر ، عوان بين ذلك ، فافعلوا ما تؤمرون. قالوا: ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها؟ قال: إنه يقول: إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين. قالوا: ادع لنا ربك يبين لنا ما هي ، إن البقر تشابه علينا ، وإنا إن شاء الله لمهتدون. قال: إنه يقول: إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث ، مسلمة لاشية فيها.
قالوا: الآن جئت بالحق. فذبحوها وما كادوا يفعلون.. وإذ قتلتم نفساً فادارأتم فيها ، والله مخرج ما كنتم تكتمون. فقلنا: اضربوه ببعضها ، كذلك يحيي الله الموتى ، ويريكم آياته لعلكم تعقلون..