ولا بد مع أخذ العهد بقوة وجد واستجماع نفس وتصميم.. لا بد مع هذا من تذكر ما فيه ، واستشعار حقيقته ، والتكيف بهذه الحقيقة ، كي لا يكون الأمر كله مجرد حماسة وحمية وقوة. فعهد الله منهج حياة ، منهج يستقر فِي القلب تصوراً وشعوراً ، ويستقر فِي الحياة وضعاً ونظاماً ، ويستقر فِي السلوك أدباً وخلقاً ، وينتهي إلى التقوى والحساسية برقابة الله وخشية المصير.
ولكن هيهات! لقد أدركت إسرائيل نحيزتها ، وغلبت عليها جبلتها:
{ثم توليتم من بعد ذلك} ..
ثم أدركتها رحمة الله مرة أخرى وشملها فضله العظيم ؛ فأنقذها من الخسار المبين:
{فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين} ..
ومرة أخرى يواجههم بمظهر من مظاهر النكث والنكسة ، والتحلل من العهد والعجز عن الاستمساك به ، والضعف عن احتمال تكاليفه ، والضعف أمام الهوى أو النفع القريب:
{ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم فِي السبت: فقلنا لهم: كونوا قردة خاسئين ، فجعلناها نكالاً لما بين يديها وما خلفها ، وموعظة للمتقين} ..
وقد فصل القرآن حكاية اعتدائهم فِي السبت فِي موضع آخر فقال: {واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون فِي السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعاً ، ويوم لا يسبتون لا تأتيهم} فلقد طلبوا أن يكون لهم يوم راحة مقدس ، فجعل الله لهم يوم السبت راحة مقدساً لا يعملون فيه للمعاش. ثم ابتلاهم بعد ذلك بالحيتان تكثر يوم السبت ، وتختفي فِي غيره! وكان ابتلاء لم تصمد له يهود! وكيف تصمد وتدع هذا الصيد القريب يضيع؟ أتتركه وفاء بعهد واستمساكاً بميثاق؟ إن هذا ليس من طبع يهود!
ومن ثم اعتدوا فِي السبت اعتدوا على طريقتهم الملتوية. راحوا يحوطون على الحيتان فِي يوم السبت ، ويقطعونها عن البحر بحاجز ، ولا يصيدونها! حتى إذا انقضى اليوم تقدموا وانتشلوا السمك المحجوز!
{فقلنا لهم: كونوا قردة خاسئين} ..