والآية تقرر أن من آمن بالله واليوم الآخر من هؤلاء جميعاً وعمل صالحاً ، فإن لهم أجرهم عند ربهم ، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون. فالعبرة بحقيقة العقيدة ، لا بعصبية جنس أو قوم.. وذلك طبعاً قبل البعثة المحمدية. أما بعدها فقد تحدد شكل الإيمان الأخير.
ثم يمضي السياق يستعرض مواقف بني إسرائيل فِي مواجهة يهود المدينة بمسمع من المسلمين..
{وإذ أخذنا ميثاقكم ، ورفعنا فوقكم الطور: خذوا ما آتيناكم بقوة ، واذكروا ما فيه لعلكم تتقون. ثم توليتم من بعد ذلك ، فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين} ..
وتفصيل هذا الميثاق وارد فِي سور أخرى ، وبعضه ورد فِي هذه السورة فيما بعد. والمهم هنا هو استحضار المشهد ، والتناسق النفسي والتعبيري بين قوة رفع الصخرة فوق رؤوسهم وقوة أخذ العهد ، وأمرهم أن يأخذوا ما فيه بقوة. وأن يعزموا فيه عزيمة. فأمر العقيدة لا رخاوة فيه ولا تميع ، ولا يقبل أنصاف الحلول ولا الهزل ولا الرخاوة.. إنه عهد الله مع المؤمنين.. وهو جد وحق ، فلا سبيل فيه لغير الجد والحق.. وله تكاليف شاقة ، نعم! ولكن هذه هي طبيعته. إنه أمر عظيم. أعظم من كل ما فِي هذا الوجود. فلا بد أن تقبل عليه النفس إقبال الجاد القاصد العارف بتكاليفه ، المتجمع الهم والعزيمة المصمم على هذه التكاليف. ولا بد أن يدرك صاحب هذا الأمر أنه إنما يودع حياة الدعة والرخاء والرخاوة ، كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد نودي للتكليف:"مضى عهد النوم يا خديجة". وكما قال له ربه: {إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً} وكما قال لبني إسرائيل:
{خذوا ما آتيناكم بقوة} . {واذكروا ما فيه لعلكم تتقون} ..