وجميع رواية أبي عمرو دائرة على التَّخْفيف، وذلك يدغم المثلين، والمتقاربين، ويُسَهِّل الهمزة، ويسكن نحو: {يَنصُرْكُمُ} [آل عمران: 160] و {يَأْمُرُكُمْ} [البقرة: 67] و {بِأَعْلَمَ بالشاكرين} [الأنعام: 53] علكى تفصيل معروف عند القُرَّاء، وروي عنه إبدالُ هذه الهمزة السَّاكنة ياءً، كأنه لم يعتدّ بالحركة المقدرة، وبعضهم ينكر ذلك عنه، فهذه أربع قراءات لأبي عمرو.
وروى ابن عطية عن الزهري:"بَارِيكُمْ"بكسر الياء من غير همزة قال:"ورويت عن نافع".
قلتك من حق هذا القارئ أن يكسن الياء؛ لأن الكسرة ثقيلةٌ عليها، ولا يجوز ظهورها إلاّ فِي ضرورة شعر؛ كقول أبي طالب: [الطويل]
كَذَبْتُمْ وَبَيْتِ الله نُبْزِي مُحَمَّداً ... وَلَمْ تَخْتَضِبْ سُمْرُ العَوَالِي بالدَّمِ
وقرأ قتادة:"فَاقْتَالُوا"وقال: هي من الاستِقَالة.
قال ابن جنِّي: اقْتَالَ: افتعل، ويحتمل أن تكون عينها واواً كـ"اقْتَادُوا"أوياء كـ"اقْتَاسَ"، والتصريف يضعف أن تكون من الاستقالة.
ولكن قتادة ينبغي أن يُحْسَنَ الظنُّ به فِي أنه لم يورد ذلك إلا بحجّة عنده.
وقرئ أيضاً:"فَأَقِيلُوا أنفسكم"بالياء المُثَنَّاة التحتية، وهي موافقة للرسم أيضاً.
"والبارئ": الخالق، برأ الله الخلق أي: خلقهم، وقد فرق بعضهم بين الخَالِقِ والبارئ، بأن البَارِئَ هو المبدع والمُحْدِث، والخالق هو المقدر النَّاقل من حال إلى حال، وأصل هذه المادّة يدلّ على الانفصال والتميز، ومنه: برأ المريض بُرْءاً وبَرْءاً وبَرَاءَةً، وبرئت أيضاً من الدَّيْن براءةً، والبَرِيّة: الخلق؛ لأنهم انفصلوا من العَدَمِ إلى الوجود، إلاّ أنه لا يهمز.
وقيل: أصله من البَرَى وهو التراب.
وسيأتي تحقيق القولين إن شاء الله تعالى.
قوله: {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ} .