وقوله [1] :"هُوَ صَدَقةٌ للهِ"يريد بذلك: إخراج ما فُتِنَ به من ماله وتكفير [2] اشتغاله عن صلاته. وهذا يدلُّ على أنّ مثل هذا كان يَقِلُّ منهم ويَعظُمُ في نفوسم.
وفي الجملة: إنّ الإقبال على الصّلاة، وترك الالتفات فيها، مأمورٌ بأحكامها [3] ، قال الله تعالى: {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [4] . قال أهل التّفسير [5] : هو الاقبال عليها والخشوع فيها.
وقد كرهَ العلماءُ كلّ ما يكون سببًا للالتفات، ولذلك كره النّاس تزويق المسجد بالذَّهب والفِضَّة والنُّقوش المُزَخْرَفَةِ.
وقوله:"هُوَ صَدَقَةٌ"يقتضي الصّدقة برقبه المال [6] ، وإنّما صُرِفَ ذلك إلى اختيار النَّبيِّ - صلّى الله عليه وسلم -، لعلمه بأفضل ما تُصْرَفُ إليه الصّدقات، وحاجته إلى صَرْفِهَا في وجوهها.
حديث عَبْد اللهِ بْن أبِي بكرٍ [7] ؛ أَن رَجُلًا مِنَ الأنْصَارِ كَانَ يُصَلِّي فِي حَائِطٍ لَهُ بِالقُفِّ- وَادٍ مِن أَودِيَةِ المَدِينَةِ- في زَمَانِ الثَّمَرِ، وَالنَّخْلُ قَد ذُلِّلَت، فَإذَا هُوَ لاَيَدْرِي كَم صَلَّى؟ فَقَالَ: لَقَدْ أَصَابَتْنِي في مَالِي هَذَا فتْنَةٌ، فَجَاءَ عُثمَانَ بْنّ عَفَّانَ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ خَلِيفَةٌ، فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ، وَقَالَ: هُوَ صَدَقَةٌ، فَاجْعَلْهُ في سَبِيلِ اللهِ [8] ، فَبَاعَهُ عُثمَانُ بِخَمسينَ أَلفًا، فَسُمِّيَ ذَلِكَ المَالُ: الخَمْسِينَ.
العربية [9] :
قوله:"بِالْقُفِّ"القُفُّ ما صَلُبَ من الأرض واجتمعَ، ومنه قَفَّ شعري، أي اجتمعَ وتقبَّضَ [10] .
(1) في حديث الموطَّأ (261) رواية يحيى.
(2) م، غ:"ويكفر".
(3) في المنتقى:"مأمورية من أحكامها".
(4) المؤمنون: 2.
(5) المراد هنا هو الإمام مالكٌ، كما في العتبية: 1/ 219 في كتاب الصّلاة الأوّل، من سماع ابن القاسم عن مالك.
(6) م، غ:"حرمة المال"، جـ:"الصّدقة خبر فيه الحال"والمثبت من المنتقى.
(7) في الموطَّأ (262) رواية يحيى.
(8) الّذي في الموطَّأ:"في سُبُلِ الخير".
(9) كلامه في العربية مقتبس من المنتقى: 1/ 181.
(10) انظر مشكلات موطَّأ مالكٌ: 80، ومشارق الأنوار: 2/ 192، وعن القُفّ الوادي انظر: معجم ما
استعجم: 3/ 1087، والمغانم المطابة: 349.