أمّا الوسوسةُ، فدواؤها الذِّكْرَى والإقبالُ على ما هو فيه. وأمّا التَّقدُّمُ على الإمام بالمخالفة [1] ، فَعِلَّةُ ذلك طَلَبُ الاستعجالِ، ودواؤه أنّ يَعلَمَ أنّه لا يسلِّم قَبْلَهُ، فَلِمَ يستعجلُ بهذه الأفعالِ؟ وفي الحديث:"أَمَا يَخْشَى الّذي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الإمَامِ، أنَ يُحَوِّلَ اللهُ رَأسَهُ رَأسَ حِمَارٍ" [2] وليس يرادُ به عند العلماء المسخ صورةً [3] ، وإنّما يريدون [4] الحمارِيَّةَ، وهو البَلَهُ، ضربَ له الحمار مَثلًا؛ لأنّه أشدَّ البهائم بَلَهًا, ولا حماريَّةَ أعظمُ من أنّ يلتزمَ الاقتداءَ مع الإمام ثمّ يخالفَهُ فيما التزم في تلك الحال، وهذا كقوله - صلّى الله عليه وسلم:"لَيَنْتَهِيَنّ أَقوَامٌ عن رفعِ أَبصارِهم إلى السَّماءِ أو ليَخْطِفَنَّ اللهُ أَبصَارَهُم" [5] وليس يريد بذلك إذهابها بالعَمَى [6] وإنّما يشيرُ به [7] إلى ذهابِ فائدتها من العِبرَةِ.
الفقه:
الّذي يرفعُ رأسه قبل الإمام لا تبطلُ صلاته عند مالكٌ. وقال الشّافعيّ [8] إنّ فعلَها في ركعة واحدةٍ فلا شيءَ عليه ولا بأس به، وان فعلها في ركعتين بطلت صلاته؛ لأنّها نصف صلاته، وإنّما قال ذلك لأنّ النّبيّ - صلّى الله عليه وسلم - نَهَى على المخالفةِ، والنّهي يقتضي فساد المنهي عنه، وخصّه مالكٌ في الإحرام والسّلام والتّكبير من الجَلْسَة الأُولى، والشّافعىّ في جميع الصّلاة.
قال الباجي [9] :"ومعنى قولُه:"إنّما نَاصِيتهُ بِيَدِ شَيطَانٍ"معنى هذا الحديث: الوعيدُ لمن رفعَ رأسه أو خفضه [10] قبل إمامه، وإخبار منه أنّ ذلك من فِعْل الشّيطان."
(1) في النْسخ:"بلمخالفة"ويمكن أنّ تقر:"فلمخالفة"ولعلّ الصواب ما أثبتناه.
(2) أخرجه البخاريّ (691) ، ومسلم (427) من حديث أبي هريرة.
(3) م:"ضرورة".
(4) م، غ:"يريد به".
(5) أخرجه مسلم (429) من حديث أبي هريرة.
(6) غ، جـ:"بالمعنى"وهي ساقطة من: م، والمثبت من القبس.
(7) م، غ:"له".
(8) انظر الحاوي الكبير: 2/ 342 - 343.
(9) في النّسخ:"الشّافعيّ"وهو تصحيف ظاهر، والصّواب ما أثبتناه؛ لأنّ الكلام هو للباجي في المنتقى: 1/ 171.
(10) في المنتقى:"وخفضه".