موْضِع الآخر، ولا أنّ يجمع بينهُمَا، فإن ذلك تبديلٌ للشريعة، واستقصارٌ لما كَمَّلَهُ النَّبيّ - صلّى الله عليه وسلم - في التَّعليمِ، هذا عهد نبيِّنا - صلّى الله عليه وسلم - إلينا وعَهْدُنا إليكم.
وقوله [1] :"السَّلاَمُ عليك أيّها النّبيُّ ورحمةُ الله وبركاته"النَبيُّ مشتقٌ من الإنباءُ وهو الإخبار، ومعنى نبىء أي مُنبأ، فعيل بمعنى مفعول. ويجوز نبي ونَبِيٌّ بالتّشديد، وهي لغة قريش تسهيل الهمزة [2] ، ألَّا ترى قوله للرّجل الّذي قال له:"يا [3] نَبِىءَ الله لَسْتُ بِنَبِيءِ الله، وإنّما نبيُّ الله" [4] ، فأنكر عليه الهمز وكان يَكْرَهُ التَقَعُّرَ.
ومعنى قوله:"أشهدُ أنّ لا إلهَ إلَّا اللهُ"أي أعلم علم المشاهدة. ومعنى هذا: أي [5] لو شاهدتُ الله تعالى لَمَا علمتُ أكثرَ من هذا؛ لأنّي أشهدُ أنّ لا إله إلا اللهُ، ومعناه: أشهدُ إنّ شاء الله؛ لأنّه لا شَكَّ أنّ ليس معه من اليقين ما مع أبي بَكرِ وعُمَرَ، فكان أبو بكرٍ يقول: أشهدُ حقًّا أنك حقٌ، بذلك أشهدُ. فكان هذا الرَّجُل إنّ عرف عِلْمًا يقينًا، كان قولُه مثل قول أبي بكر، وإن كان غير ذلك، يقول: أشهدُ إنّ شاءَ الله، وهو حَسَنٌ.
نكتةٌ أصولية:
والناس في معرفة الله البارئ تعالى على ضربين: منهم من يعرفه بالاستدلال. ومنهم من يعرفه بغير استدلالٍ. وقد ذكر اللهُ ذلك في كتابه فقال فيمن يستدلُّ بمخلوقاته: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ} الآية [6] . وقال فيمن يعرفه بغير استدلالٍ: {أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [7] .
فقالت طائفة: لا تصحُّ معرفة البارئ لبَشَرٍ على التَّحقيقِ، وإنّما يَعْرِفُ اللهَ اللهُ،
(1) في حديث الموطَّأ (240) رواية يحيى.
(2) انظر الزّاهر في معاني كلمات النّاس لابن الأنباري: 2/ 119، وشرح مشكلات موطَّأ مالكٌ: 78،
ومشارق الأنوار: 2/ 2، والنهاية في غريب الحديث: 5/ 3.
(3) "الّذي قال له: يا"زيادة منّا يلتئم بها الكلام.
(4) أخرجه الحاكم في المستدرك: 2/ 251 (ط. عطا) من حديث أبي ذر. قال الحاكم:"هذا حديث صحيحٌ على شرط الشيخين ولم يخرجاه".
(5) جـ:"أني".
(6) فصلت: 53.
(7) فصلت: 53.