فهرس الكتاب

الصفحة 862 من 3915

واحتجّ مَنْ زعمَ أنهما شيءٌ واحدٌ بقول العرب: حمدتُ فلانًا وشكرتُه، فلا يفرقُون بينهُما، وعَضَدُوا ذلك بقول العرب: الحمد لله شكرًا، فجعلوا الشُّكرَ مصدرًا للحَمدِ، ولولا أنهُما شيءٌ واحدٌ ما صَدروا به عنه.

تحقيق:

قال الإمام الحافظُ: والذي اتّفق عليه المحقِّقون من علمائنا أنّهما شيءٌ واحدٌ، وأن العربَ لا يفرِّقون بينهما، وهو وَهمٌ منهم.

وأمّا قولهم: إنهما شيء واحدٌ، فدَعْوَى، ومِن أين عَلِمُوا هذا الاعتقاد! ونحن نقول: إنّما جمعوا بينهما لمّا أُخبِرُوا أنّهم أَثنَوا عليه بصفاته وأفعاله معًا.

وأمّا حُجَّتُهُم: الحمدُ لله شكرًا، فهو ضعيفٌ؛ لأنّ العربَ قد تُجري المصدر على غير المصدر، وتذكُرُه من غير لفظ الفعل، ولكن تحمله على لفظه.

وأمّا الحمدُ، ففيه أقوال خمسة:

القولُ الأوّل: أنّ يكون"فَعِيلًا"من حامد، كقولنا:"عليم"من عالم، و"حكيم"من حاكم.

القول الثّاني: أنّ يكون"فعيلًا"بمعنى مفعول، كقولك: كفّ خضيب، ورجل قَتِيل.

القولُ الثّالث: أنّ يكون"فعيلًا"من الرِّضَى بالوجهين.

القولُ الرّابع - قال بعضهم: الحمدُ هو الرِّضَى، من قولك: حمدتُ كذا، إذا اخترته فرضيته، وحمدته إذا خَبِرْتَهُ محمودًا.

قال الإمام: والذي عندي من القولِ الصَّحيح ما قدَّمناهُ، من أنّه بمعنى الحمد الّذي هو الثّناء والمَدْحُ، وأنّه يجوز أنّ يكون فعيلًا من فاعلٍ، وفعيلًا من مفعولٍ.

وقال جماعة من العلماء: إنّ الحميد هو المستحقّ للحمد والمدح والثّناء, وإن البَشر لا يحمدونه في الحقيقة [1] ، وما قدرَ أحدٌ أنّ يحمدَهُ إلَّا هو حمد نفسه، ألَّا تَرَى أنّ النّبيَّ - صلّى الله عليه وسلم - كان يقول في سجوده:"لا أُحصِي ثَنَاءً عليكَ أنتَ كما أَثنَيتَ على نَفْسِكَ" [2] .

(1) غ:"بالحقيقة"، جـ:"البشر لا يحمده بالحقيقة".

(2) أخرجه مالكٌ في الموطَّأ (571) رواية يحيى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت