وفي الحديث"لا يَقُولنّ أحدكُم: أَخْزَى اللهُ الشيطان، فإنّه إذا سمع ذلك تعاظَمَ حتّى يصير كالجَبَلِ. وليَقُل أعوذُ بالله من الشيطان، فإنّه إذا سمع ذلك تَضَاءَلَ وتَصَاغَرَ" [1] ، وهذا حديث صحيحٌ؛ لأنّ الله تعالى قال: {وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ} [2] فما أَثَّر ذلك فيه، فكيف يسأل عن اللّعنة من غير الله [3] .
وأمّا المجاز في معنى الحديث فهو متَّسَعٌ، ويكون أيضًا استعارةً وعبارةً عن فراره ذَليلًا خَاسِئًا، كما يفرُّ العَيرُ الضّروط.
وقولُهُ:"حَتَّى يَخْطِرَ بين المرءِ وقَلْبِهِ، أَوْ قالَ: ونَفْسِهِ"يعني بذلك الوسوسة، وهذا أمرٌ مِنَ الله مكّنَ اللهُ منه الشّيطان في الإنسان، وجعل دَوَاءَهُ الاستعاذَة، فقال: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ} الآية [4] . وهذا ما لم تتمكّن الشّهوات في القلوب، ولم تختلج [5] المعاصي في النُّفوس، ولا ارتبطت العلائق بالهَوَى حتّى غلبت [6] النّفس، فليس دَوَاؤُها حينئذٍ الاستعاذة، وإنمّا تنفعُ فيها التّوبة، بحَذْفِ الشّهوات وقطع العلائق، والاستبصار بالحقائق.
مزيد إيضاح [7] :
فإن قيل: فما معنى هروبه عند الأذان؟ ولا يهرب من [8] الصّلاة الّتي هي معظم الذِّكر لأنّ فيها قراءة القرآن؟
قلنا: للعلماء في ذلك ثلاثة أقوال:
الأوّل: إنمّا يَهْرُبُ ويَفِرُّ من اتِّفاق الكُلِّ على الإعلان بشهادة التَّوحيدِ، وإقامة الشّريعة، كما يفعلُ يوم عَرَفَة؛ لما يرى من الرَّحمةِ، فأصغر ما هو في ذلك اليوم.
(1) عزاه المصنِّف في القبس إلى النّسائي، وهو -مع اختلاف في اللفظ- في الكبرى (1313) وعمل اليوم واليلة (555) كما أخرجه أبو يعلى في معجم شيوخه (71) والطحاويْ في شرح مشكل الآثار (368) والطبراني في الكبير (516) والحاكم: 2/ 292 كلهم من حديث أبي المليح.
(2) الحجر: 35.
(3) في القبس:"يسأل عن لعنة غير الله تعالى".
(4) الأعراف: 200.
(5) غ:"تختلف"، ب:"تختلف"، وفي القبس:"تَحْلَوْلِ".
(6) في القبس [1/ 180 ط. الأزهري] :"علّت".
(7) اعتمد المؤلِّف في هذا الإيضاح على شرح البخاريّ لابن بطّال: 2/ 234.
(8) ج:"عند".