الفائدة الثّانية:
فيه [1] استعمال الطِّيب لمن قدر عليه يوم الجمعة وفي العيدين، وذلك مندوبٌ إليه حَسَنٌ، مُرَغَّبٌ فيه، فقد كان رسولُ الله - صلّى الله عليه وسلم - يُعْرَفُ خُرُوجُهُ برائحته إذا خرجَ للصّلاة، وإذا مَشَى، وقد قال بعضُ المعتنين بأخباره وفَضَائِلِه أنّ رائحته تلك كانت بلا طِيبٍ [2] ، فإنَّهُ طَيِّب الرِّيح خَفِيف المَحْمَل [3] . ومنه حديث أم سُلَيم في أخذها عَرَقِهِ في القَوارير، إذْ قالت له [4] :"هو من أَطيَبِ الطِّيب" [5] ، ومع هذا فقد كان رسول الله - صلّى الله عليه وسلم - قد حبّب إليه ذلك من دنياكم، لقوله صلّى الله عليه:"حُبِّب إِلَيَّ فِق دُنيَاكُمْ ثَلاثَ: النِّساءُ، وَالطِّيبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيني في الصَّلاَةِ" [6] .
وقد كان أبو هريرة يُوجِبُ الطِّيبَ وجوب سنّة وأدبٍ. والله أعلم [7] .
وقد قيل لابن عبّاس: إنّ أبا هريرة يُوجِبُ الطِّيب، فقال: لا أعلَمُه ولكنّه حَسَنٌ.
الفائدة الثّالثة:
فيه التّرغيب في السِّواك، والآثار في ذلك كثيرة جدًّا أضرَبْنا عنها، والعلماء كلهم يندبون إليه، ويستحبّونه، ويحثّون عليه، وليس بواجبٍ عندهم. وذهب أهل الحديث لوجوبه [8] ، وقال الشّافعي [9] : لو كان واجبًا لأمرهم رسول الله - صلّى الله عليه وسلم - بذلك أَمْرَ وُجوبٍ،
(1) من هنا إلى قوله: خفيف المحمل، مقتبسٌ من الاستذكار: 2/ 76 (ط. القاهرة) .
(2) ذكر ذلك إسحاق بن راهَوَيْه، نصّ عليه ابن عبد البرّ في الاستذكار.
(3) أورده ابن عبد البرّ قوله: فإنّه ... إلخ على أنّه من قول النّبيّ - صلّى الله عليه وسلم -، وقد أخرجه مسلم (2253) من حديث أبي هريرة.
(4) أي للنبيِّ - صلّى الله عليه وسلم -.
(5) أخرجه مسلم (2331) من حديث أنس.
(6) أخرجه أحمد: 3/ 128، والنسائي في الكبرى (8887) ، وأبو يعلى (3482) ، والطبراني في الأوسط (5203) ، والبيهقي: 7/ 78 من حديث أنس، وقال ابن حجر في تلخيص الحبير: 3/ 116"إسناده حسن".
(7) يقول ابن عبد البرّ في الاستذكار: 1/ 76 - 77"إنّ كان أبو هريرة يوجب الغسل وُيوجبُ الطِّيب فما كان في قوله حجة، إذ كان الجمهور يخالفونه فيما تأوّل من ذلك".
(8) يقول ابن قدامة في الشرح الكبير: 1/ 242"أكثر أهل العلم يرون السِّواك سنّةً غير واجبٍ، ولا نعلم أحدًا قال بوجوبه إلّا إسحاق وداود".
(9) في الامّ: 1/ 102.