الله أمَّنَا منك بخيرٍ [1] ، وكلا القولين معترضان، والأوّل أمثلُ.
وقوله:"أَعُوذُ"يعني: ألْجأ وأَلُوذُ، فإنه مكان العائذ، والعياذُ والملجأ: ما سكنت إليه النّفس عن محذورٍ.
وقولُه:"مِنَ الخُبْثِ"- بِضَمِّ الخاء - يعني: من ذكرر الجنِّ وإناثهم، وإن كان بفتحها فإنّه يعني: من المكروه وأهله، و"الخبث"هو كلُّ مكروه، فإن كان من قول فهو فسق، كان كان من اعتقادٍ فهو كفرٌ واعتقاد سوءٍ. فإن كان من طعامٍ فهو حرامٌ، وقد غلَّطَ الخطّابيّ [2] لمن رواه [3] بإسكان الباء واستدرك الخطأ عليه.
الفقه [4] :
كان رسول الله - صلّى الله عليه وسلم - معصومًا حتّى من الشيطان الموكَّل بهِ بشرط استعاذته منه، كما غُفِرَ له بشرطِ استغفاره واستعاذته منه، ومع ذلك فقد كان اللَّعين تعرَّضَ له ليلة الإسراءِ فدفعه بالاستعاذة [5] ، وعرض له في الصّلاة فشدَّ وثاقه ثم أطلقه [6] .
وكان رسول الله - صلّى الله عليه وسلم - يحضُّ على الاستعاذة في هذا الموضع لمعنيين:
أحدهما: أنّه خلاء، وللشّيطان قدرة في الخلاء ليست له في الملأ يصل بها إلى العبد، قال رسول - صلّى الله عليه وسلم:"الرّاكبُ شيطانٌ، والراكبانِ شيطانانِ، والثلاثَةُ رَكبٌ" [7] .
(1) الّذي في معاني القرآن:"يا الله أمنا بمغفرتك". وانظر الزاهر لأبي بكر بن الأنباري: 1/ 146.
(2) في إصلاح غلط المحدِّثين: 48 - 50.
(3) استدرك الخطابي على أبي عبيد في غريب الحديث: 2/ 192. ويقول المؤلِّف في العارضة: 1/ 31"وغلَّط الخطابي من رواه بإسكان الباء وهو الغالط".
(4) انظره في العارضة: 1/ 21.
(5) أخرجه مالكٌ في (2738) رواية يحيى، وأبو داود (3893) والترمذي (3528) .
(6) أخرجه مالكٌ في الموطَّأ (2801) رواية يحيى.
(7) أخرجه البخاريّ (1210) ومسلم (541) عن أبي هريرة.