الماءَ طَهُورًا لا ينجِّسه شيءٌ" [1] ، وهذا الحديث رواهُ سِمَاك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عبّاس [2] ."
فإن قيل: وكيفَ يجوزُ الوضوء بماءِ البحرِ والبحرُ هو غطاء جهنَّم، فكيف يكون ذلك مطهِّرًا؟
الجواب عنه: وذلك أنّ النّبيَّ - صلّى الله عليه وسلم - إنّما قاله لشدة غَرَرهِ وخَطَرهِ وهَولِهِ، وعلى باب العِظَةِ به والاعتبارِ.
تنببهٌ على مقصدٍ:
قال الإمامُ: لَمَّا لم يكن هذا الحديثُ من شرطِ البخاريَّ، بَوَّبَ [3] عليه فقال:"بابُ إجابة السّائل بأكثر ممّا سألَ عنه"، وأدخلَ حديثَ ابن عُمرَ؛ سُئلَ رسولُ الله - صلّى الله عليه وسلم - عَمَّا يَلبَسُ المُحْرِمُ [4] ، وإنّما قصد التّنبيه على هذا الباب والحديثُ أيضًا الّذي فيه جواب السّائل بأكثرَ ممّا سألَ عنه في موضعين:
الموضعُ الأوَّل: قولُه:"هو الطَّهور ماؤُهُ"فإنّه لو قال له: نعم، لكان جوابًا على السؤال، وكان لا يقتضي جوازَ الوضوءِ بماء البحر إلَّا عند خَوْفِ العطشِ وقلَّةِ الماء، فاطلَقَ النّبىُّ - صلّى الله عليه وسلم - القولَ إطلاقًا؛ ليبيِّنَ أنّه طَهورٌ مطلَقٌ وحُكْمٌ عامٌّ.
الموضعُ الثّاني: قولُه:"الحلُّ مَيتَتُهُ"وكأنَّ النبيَّ - صلّى الله عليه وسلم - فهِمَ من السّائل استنكافَ أمْرِ البحر، فأراد - صلّى الله عليه وسلم - أنّ يبيِّنَ أنّه بَرَكَةٌ كلُّهُ، ماؤهُ طَهُورٌ، ومَيتَتُه حلالٌ، وظهرُهُ مَجَازٌ، وقَعْرُهُ جواهِرُ وزمرّد.
(1) يقول ابن كثير في تحفة المحتاج: 254"هذا الحديث بهذا اللفظ لم أره في شيء من الكتب"ويقول ابن حجر في تلخيص الحبير: 1/ 15"لم أجده هكذا".
(2) أخرجه. مع اختلاف في الألفاظ. عبد الرزاق (396) ، وأحمد: 1/ 235، والدارمي (740) ، وأبو داود (68) ، وابن ماجه (370، 371) ، والترمذي (63) وقال:"هذا حديث حسن صحيح"، والنسائي في الكبرى (325) .
(3) في صحيحه: 1/ 278 من فتح الباري.
(4) الحديث: 134.