الجواب- قلنا: هذه غلَطةٌ؛ لأنّ التّخيير إنّما يكون في شيء من أشياء غير معيّنة.
قالوا: إنّ القراءتين كالآيتين لا يعلم تاريخهما، فيكون التّخيير بينهما أولَى من اطِّراح إحداهما.
الجواب عنه - قلنا: إنّه لا يجوز النَّظر في تاريخهما، ولو احتاج أحدهما [1] ما أمكن الجمع بينهما، ونحن نجمع بينهما، فنجعلُ القراءتين تقتضي الغسل: قراءةُ النّصب حملًا على الرّأس، وقراءةُ الخفضِ حملًا على الجِوَار، وهو شائعٌ في لسان العرب، قال الله تعالى: {يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ} الآية إلى قوله: {وَحُورٌ عِينٌ} [2] والحورُ لا يطافُ بهنّ، وإنّما يطفن بأنفسهن، وانشد النّابغة [3] :
لَمْ يَبْقَ إلَّا أَسِيرٌ غَيْرَ مُتفَلِتٍ ... أَو مُوثَقٍ في حِبَالِ القِدِّ مَسْلُوبُ
فإن قالوا: إنّ كنتم تجعلون الخفض للجوار، فنحن نجعل النَّصب عطفًا على الموضع.
قلنا: هذا كله ممّا لا تقوى به حُجة عندنا؛ لأنّ الأحاديث الواردة عن النّبىِّ - صلّى الله عليه وسلم - فيه أقوى، فلا معنى للكلام معهم على هذه البدعة، والمشهور عند الجماهير من فقهاء الأمصار الغسل، وعليه عكفت أهل السُّنَّة.
حديث مالك [4] ، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: أنّ رسول الله - صلّى الله عليه وسلم - قال [5] :"مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتنْثرْ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ"الحديث [6] .
(1) العبارة قلقة، ولعل المراد:"ولو احتاج أحدهما إلى معرفة التاريخ".
(2) الواقعة: 17.
(3) في ديوانه: 274.
(4) في الموطَّأ (33) رواية يحيى، والملاحظ أنّ متن هذا الحديث عند يحيى هو:"إذا توضّأ أحدكم فليجعل في أنفه ماءً، ثم لينثر، ومن استجمر فليوتر".
(5) هذا الحديث بهذا الإسناد هو عند سويد (40) .
(6) إسناد هذا الحديث في الموطَّأ (34) رواية يحيى، كما سيأتي معنا بعد قليل.