قلنا لهم: النهيُ ينقسم على أقسام:
منه ما يكون نهي تحريم.
ومنه ما يكون على وجه الأدب.
ومنه ما يكون على وجه النَّدْب والاستحسان.
فلا وجه للكلام معهم.
الثّانية [1] :
"لَا يَمشِيَنَّ أَحَدُكُم في نَعلٍ وَاحدٍ"نصّ على المنع من ذلك، وبه قال مالك [2] ، وعليه جماعة الفقهاء؛ لِما فيه من المُثلَةِ والمفارَقَةِ للوَقَار ومشابهة زيِّ الشَّيطان، كالأكل بالشّمال، وهذا مع الاختيار، فأمّا مع الضّرورة، فذلك مباحٌ لمن انقطع شِسْع [3] نَعلِه.
وقد روى ابن القاسم عن مالك في؟"العُتبية [4] "أنَّه قال:"لا يمشي في النَّعل الواحد حتّى يُصلحهما ليُحفهما [5] جميعًا"أو ليقف [6] ، فبيَّن ذلك النّبيّ - صلّى الله عليه وسلم -، ولم يثبت عنه - صلّى الله عليه وسلم - فيما نعلمه أنّه مَشَى في نعل واحدة حتّى أصلح الأخرى [7] ، ولا ثبت عن عائشة - رضي الله عنها - أنّها كانت تمشي في خُفِّ واحدة [8] ، ولو ثبت ذلك عنها لحُمِلَ على الضَّرورةِ الدّاعية إلى ذلك [9] .
(1) ما عدا الفقرة الأخيرة من هذه الفائدةُ مقتبسٌ من المنتقي: 7/ 227.
(2) نصّ على ذلك ابن أبي زيد في كتاب الجامع: 257، وانظر: الكافي: 614.
(3) الشسع: سَيْرٌ يمسك النَّعل بأصابع القدم.
(4) تصرَّفَ المؤلِّف في عبار المنتقى، مع أنّ ما في المنتقى هو الّذي وجدناه في العتبية: 18/ 538 من قول أَصبَغ قال:"وسُئِل [ابن القاسم] عن الرَّجُل يقطع قِبَالُ نعله، فيقف في نعل واحدة ولا ينزعها حتّى تصلح الأخرى، قال: إنّما جاء في الحديث: لا يمشي أحدكم في النَّعل الواحدة، فهذا كان واقفا، فلا بأس بذلك في رأيي إنَّ شاء الله"، وانظر التمهيد: 18/ 180.
(5) أي ليجردهما.
(6) انظر المفهم للقرطبي: 5/ 415.
(7) ذكر ابن عبد البرّ في التمهيد: 18/ 179 أنَّه رُوِي عن عائشة أنّها قالت: رأيت رسول الله - صلّى الله عليه وسلم - يمشي في نعل واحدة، واعتبر ابن عبد البرّ أنّ هذا الحديث غير صحيح عند أهل العلم؛ لأنّ في إسناده ضعفًا كما ساق بسنده حديثًا عن عائشة في الموضوع نفسه.
(8) ذكره ابن عبد البرّ في الاستذكار: 26/ 195، وقد أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف: 8/ 229.
(9) يقول المؤلِّف في العارضة: 8/ 272 - 273"وذلك -والله أعلم- عند الحاجة إليه، أو يكون يسيرًا".