فهرس الكتاب

الصفحة 3574 من 3915

والمعنى فيه: أنّ الله لا يُعَجِّلُ ما قَضَى بتأخيره، ولا يُؤخِّر ما قَضَى بتعجيله، وكُلُّ على ما سَبَقَ في عِلمِهِ.

والأناءُ والأناةُ في اللُّغة: التّأخير. قال الحُطَيئَة [1] :

وَآنيتُ العَشَاءَ إلى سُهَيلٍ ... أَوِ الشِّعرَى فَطَالَ بِيَ الأَنَاءُ

التّرجمة:

قال الإمام: إنّما أدخل مالك هذا الحديث حجّة على القَدريَّة لقولهم: إنَّ للإنسان أنّ يعجلَ ما أراد عن وقته، وهو أَولَى؛ لأنّ فيه الحُجَّة عليهم.

وأمّا قوله:"لم يعجل"معناه: أنّ الله لم يعجل شيئًا، ونحن نعرف ذلك، فلا حُجَّةَ علينا فيه. وأكثر الرّواة يروونه بفتح الجيم:"لم يعْجَل"فتقوم الحجّة عليهم من وجهين.

وكذلك أدخل حديث:"لَا تَسأَلِ المَرْأَةُ طَلَاقَ أُختِهَا إلى قوله: ما قُدِّرَ لَهَا" [2] ردًّا على القَدَريَّةِ؟ لأنّهم يقولون: إنَّ الأرزاق قد قسمها الله، لكنّ القويّ يغلب الضّعيف فيأخذ رزقه.

وكذلك أيضًا فعل مالك في الباب الّذي قبله [3] في إدخاله الحديث قوله:"لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكتُم بِهِمَا: كِتَابَ الله وَسُنَّةَ رَسُولِهِ"فيه ردٌّ على القدريّة؛ لأنّ القدريّةَ تقول: لا نأخذ إِلَّا بكتاب الله؛ لأنّ الحديث يكشفهم، إذ هو وحيٌ وتفسيرٌ للقرآن.

وقوله: {مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ} الآية [4] ، ردٌّ عليهم، أي: لا يقدرون إِلَّا على ما قدّره الله عليهم وختم، فلا يدخل مالك حديثًا في بابٍ ويتبعه بآخر إِلَّا لمعنى بديع لا يتنبه لذلك إِلَّا فحول العلماء.

(1) في ديوانه: 98 من قصيدة مطلعها:

ألَّا أَبْلِغْ بني عَوفِ بنِ كَعْبٍ ... فهل قومٌ على خُلُقٍ سَوَاءُ

(2) في الموطَّأ (2622) رواية يحيى.

(3) في الموطَّأ (2618) رواية يحيى.

(4) الصافات: 162.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت