الزّهريّ حديث أَبِي ثَعْلَبَةَ ولم يذكر لفظ التّحريم، وهذا ليس بصحيحٍ؛ لأنّ مالكًا خَرَّجَهُ في (موطّئه) وهذا يدلُّ على تصحيحه لَهُ والتزامه، وهو صريحُ مذهبه، وبه ترجمَ الباب حين قال:"بَابُ تَحرِيمِ أكل كلّ في ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ"، ثمَّ ذكر الحديث، وعقبه بعد ذلك بان قال:"ؤهُوَ الأَمْرُ عِنْدَنَا" [1] فأخبر أنّ العمل اطّرد مع الأثر.
واختلفَ العلّماءُ إذا خالفَ العملُ الأثرَ:
فمنهم من قدَّم الأثرَ وهم الأكثرون.
ومنهم من طرحَ الأَثَر وقدّم العمل، وهو مالك والنّخعيّ، وقد قال النخعىُّ: لو وجدتُ أصحاب النّبيِّ - صلّى الله عليه وسلم - يتوضّؤون إلى الكوعَيْن لتوضّأتُ كذلك، وصدَقَ؛ لأنّهم بعدَالتِهِم لا يتركون العمل بما سمعوه إذا ثبت سماعهم له، إِلَّا عن دليلٍ أظهر منه، وفيه تفصيلٌ طويل بيّناه في كتب الأصول [2] .
الفقه في تسع مسائل:
المسألة الأولى [3] :
اختلف العلّماءُ في تحريمِ أكل كلِّ ذِي نابٍ من السِّباعِ:
فرَوَى العراقيون عن مالك أنّها كلّها عنده محمولة على الكراهية من غير تفصيل، وهو ظاهرُ"المدوّنة" [4] .
ابن كنانة: كلُّ ما يفترسُ ويأكلُ اللَّحم فهو مِمَّا لا يُؤكَل، وما كان سوى ذلك من دوابِّ الأرض وما يعيشُ بنباتِ الأرضِ فلم يأتِ فيه نَهىٌ، قال عيسى عن ابنِ القاسم: وهذا
(1) الموطَّأ: 1/ 641 رواية يحيى.
(2) انظر المحصول في علم الاصول الورقة: 91 - 92، والعارضة: 2/ 251.
(3) هذه المسألة مفتبسة من المننقى: 3/ 130 - 131.
(4) بقول الإمام في المدوّنة: 1/ 426"لا أحبّ أكل الضّبع، ولا الذنب، ولا الثعلب، ولا الهرّ الوحشي ولا الانسي، ولا شيئًا من السِّباع".