غيره، ومن زعم أنّ رمضان في الاسترسال على المعاصي وغيره سواء فلا تُكلِّموه، فقد سقطت مُخَاطَبَتُه، بل تقلّ المعاصي ويبقى منها ما بقي [1] ، وذلك لثلاثة أوجه:
أحدها أنّ يكون المعنى صُفِّدت وسُلْسِلَت [2] ، ويبقى ما ليس بمَارِدٍ ولا عفريتٍ، ويدلُّ على ذلك الحديثُ الآخر.
الوجه الثّاني: أنّ يكون المعنى أنّها بعد تَصْفِيدِهَا كلِّها وسلسلتها، تحمل المرء على المعاصي بالوسوسة، فإنّه ليس من شرط الوسوسة الّتي يجدها المُؤْمِن نفسه من الشّيطان الاتِّصال، بل هي بالعبد [3] صحيحة؛ فإنّ الله هو الّذي يخلُقها في قَلْبِ العبدِ عند تكلُّم الشيطان بها، كما يخلق في جسم المسحور عند تكلّم الساحر، وعند تكلُّم العائن في جسم المُعَيَّن.
الوجه الثّالث - قلنا: ليس من شرط التَّصْفِيدِ عدم الوسوسة؛ لأنّ الوسوسة لا تكون باليَدِ والرِّجْل.
فإن قيل: إذا كان هذا تأويله [4] ، فلم يبق للحديث معنى.
قُلْنَا: عن هذا جوابان:
أحدهما: أنّه ليس يلزمنا معرفة معنى الحديث، ولا أنّ نُعلِّل جميع الأشياء، فإنّ أكثر الأحاديث غير معلولة [5] المعنى.
الجواب الثّاني - أنّ نقول: فائدة الحديث أنّهم منعوا الإذاية بأيديهم وأرجلهم من العمل والجنون والحُمْق وغير هذا، وهذا كتاب مقنع جدًّا، إنّ شاء الله.
الفائدةُ السابعة [6] :
قوله:"ويُنَادِي مُنَادٍ"هذا المُنَادي غير مسموع للآدميِّينَ، ولكنّهم أُخْبِرُوا بذلك ليَعْلَمُوا أنّهم غير مغفولٍ عنهم ولا مَهْمُولينَ [7] ، فإنّ البارئ سبحانه لا تجوز عليه
(1) جـ:"يبقى".
(2) زاد في العارضة:"المردة".
(3) في العارضة:"من البد".
(4) غ:"ذكره".
(5) أي معلّله.
(6) انظرها في عارضة الأحوذي: 3/ 199.
(7) في العارضة:"مهملين".