فإن قيل: فإنْ تعارضتِ الأحاديث فما الحُكْمُ فيها؟
قلنا: لو علمنا [1] التّواريخ لحَكَمْنَا بالآخِرِ منها على الأوَّلِ، فإذا جُهِلَتِ التّواريخُ، فاختلفَ النّاس فيه على ثلاثة أقوال:
الأوّل - منهم من قال: يؤخذُ بالأشدِّ منها؛ لأنّه الأحوط والَّذي يُحْتَاطُ له ولهم [2] .
الثّاني - منهم من قال: يؤخذ بالأَخَفّ؛ لأنّ الله تعالى قد رفعَ الحرجَ وبعثَ النّبيَّ - صلّى الله عليه وسلم - بالحَنِيفيَّةِ السَّمْحَة.
الثّالث - منهم من قال: تسقط ويطلب دليلٌ آخر، فإن أَمْكَنَ التَّرجيح فيجب العمل به.
وهاهنا تترجح أحاديث الجواز على أحاديث المنع؛ لأنّ هذا الّذي قال النّبيُّ - صلّى الله عليه وسلم:"أُولئِكَ الْعُصَاةُ"و"لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ في السَّفَرِ"إنّما كان في سَفْرَةٍ واحدةٍ، وهذا الّذي لأنس [3] بن مالك الأنصاري، ولحمزة بن عمرو الأَسْلَميّ ولأنس ابن مالكٌ الكَعْبِيّ وقد قيل له:"إدْنُ فَكُلْ"، قال: إنِّي صائم، قال له رسول الله - صلّى الله عليه وسلم:"إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ الصَّوْمَ وَشَطْرَ الصَّلَاةِ" [4] كان في أوقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ.
وأيضًا: فإنّ النّبي - صلّى الله عليه وسلم - إنّما قال:"لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ في السَّفَرِ"حين رأى رَجُلًا قد ظُلِّلَ عليه من شِدَّة الحَرِّ، فسأل عنه، فقيل: إنّه صائمٌ، فقال:"لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ في السَّفَرِ"، وقد رُوِي عنه أنّه قال:"لَيْسَ مِنْ أم بِرٍّ أم صوم فِي أم سَفَرٍ" [5] وهي لُغَةٌ للمَقُولِ له قالها النّبيُّ - صلّى الله عليه وسلم - قَصْدَ الإفْهَامِ.
وقولُ النّبيِّ - صلّى الله عليه وسلم:"أُولَئِكَ الْعُصَاةُ"قالها في قومٍ صاموا بعدَ فِطْرِ النّبيِّ - صلّى الله عليه وسلم - وَأَمْرِهِ بِالْفِطْرِ.
وقال:"تَقَوَّوْا لِعَدُوِّكُمْ"وكذلك قال علماؤنا [6] : إنّ الفطر في الجهاد أفضل لما
(1) جـ، القبس:"علم".
(2) "ولهم"ساقطة من القبس.
(3) غ، جـ:"الّذي قال أنس"والمثبت من القبس.
(4) أخرجه أحمد: 4/ 347، وعبد بن حميد (431) ، وأبو داود (2408) ، وابن ماجه (1667) ، والتّرمذيّ (715) .
(5) أخرجها أحمد: 5/ 434. وللمؤلِّف جزء حديثي في هذه الرِّواية، يوجد مخطوطًا بالمكتبة الوطنية بمدريد بإسبانيا.
(6) المقصود هاهنا هو الإمام الباجي في المنتقى: 2/ 49 وقد تصرف المؤلِّف في عبارة الباجي.