فهرس الكتاب

الصفحة 1778 من 3915

وغَلطَ الشّافعيّ في النَّفْلِ، فقال: إنّه يجزئه بنِيَّتِهِ من النّهار، وتَابَعَهُ على هذا الغَلَط أبو حنيفة، وزاد بأنْ قَاسَ الفَرْضَ عليه بأن قال: ويجوز أيضًا صوم رمضان بنيَّةٍ من النّهار. والّذي أوقعهم في هذا الخلاف الحديث المشهور؛ أنّ النَّبِيَّ - صلّى الله عليه وسلم - دخل بيته فقال:"هَلْ عِنْدَكم مِن طَعَامٍ؟ فَقَالُوا: لَا. قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ" [1] قالوا: ولم يكن طلبه للطّعام عَبَثًا، وإنّما كان ليأكل، فلمّا لم يجده نوى الصوم.

الجواب - قلنا: وفي أيِّ وقت كان هذا من النّهار، ولعلّه كان بعد الظُّهر وأنتم لا تقولون به، فليس لكم على هذا الحديث حُجّة، ونحن نقول: إنّه نوى الصِّيام لَيْلًا، وطلبُ الطّعام على أصلكم لا يضرّ؛ لأنّ التَطَوُّع عندكم لا يلزم التّمادي فيه، فقد خرج الحديث عن أيديكم من كلِّ وجهٍ.

المسألة الرّابعة:

والذي عليه المذهب [2] ؛ أنّ صيام شهر رمضان يجزئ بنِيَّةٍ واحدةٍ في أَوَّلِهِ، وبه قال أحمد.

وقال أبو حنيفة: ينوي النِّيَّة كلّ ليلةٍ [3] ؛ لأنّ اليوم الثّاني صوم يوم واجب فافتقرَ إلى نيَّةٍ كالأَوَّلِ.

ودليلُنا: قولُ النّبيِّ - صلّى الله عليه وسلم:"لِكُلِّ امْرِيءٍ مَا نَوَى"وهذا قد نَوَى الشَّهر كلَّه فوجب أنّ يجزئه. ولأنّ رمضان عبادة تجب في العام مَرَّةً واحدة، فاكتفي فيه بنية واحدةٍ كالزَّكَاةِ.

المسألة الخامسة [4] :

قال: وكذلك كلُّ من نَوَى صومًا مُتَتَابِعًا بنَذْرٍ أو كفَّارَةٍ، أو كان شأنّه سَرْد الصِّيام، أو رَجُل عادته صوم الاثنين والخميس، فإنّه يكتفى في ذلك بنيَّةٍ واحدة [5] ؛ لأنّ ذلك

(1) أخرجه مسلم (1154) من حديث عائشة.

(2) انظر التفريع: 1/ 303، والإشراف: 1/ 195 (ط. تونس) .

(3) انظر مختصر اختلاف العلّماء: 2/ 9.

(4) هذه المسألة لخّصها المؤلِّف من المنتقى: 2/ 41.

(5) ذكر الباجي أنّ الإمام مالكٌ قال في"المختصر": ليس عليه تبييت الصوم لكل يوم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت