الاحتمال في الحديث الثّاني فقال:"وَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلاَثِينَ"فكان تفسير التّقْدِير.
وأمّا الثّاني: فلا يجوز أنّ يُعَوَّلَ في ذلك على قول الحساب، لا لأنّه باطلٌ، ولكنّه صيانة لعقائد النّاس من الارتباط بالعُلْويّات [1] وأنْ تعلق عباداتها بتداوير الأفلاك ومواقعها في الاجتماع والاستقبال، وذلك بحر عَجَّاجٌ إنْ دخلوا فيه غَرِقُوا، والنّجاة في قوله:"إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلاَ نَحْسبُ ..."الحديث. فإذا كان النّبيُّ - صلّى الله عليه وسلم - ينفي عن نفسه تصريف الأنامل المعتادة عند أهل الحساب، فأَوْلَى وأَحْرَى أنّ ينفي عن نفسه تصريف الكواكب وتَعْدِيلَهَا [2] .
قال الإمام: فإذا انتهى القول هاهنا، فإنّ العلّماء اتّفَقُوا على أنّ قول المؤذِّن الواحدِ مقبولٌ في الوقتِ للصّلاة، وفي الفِطْر والإمساك للصّوم، قال النّبيّ - صلّى الله عليه وسلم:"إِنَّ بِلَالًا يُنَادِي بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِي ابْن أُمِّ مَكْتُومٍ ..."الحديث [3] . فإذا كان هذا هكذا، فإنّه قد اختلفوا في لزوم الصّوم لرمضان والخروج عنه على أربعة أقوال:
القول الأوّل: إنّه لا يصام ولا يفطر إلَّا بشاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ غير مستورين [4] ، قاله مالكٌ، وإسحاق، واحد قولي الشّافعيّ، وجماعة كثيرة.
الثّاني: قال الشّافعي: يُصامُ بشاهدٍ واحدٍ، ولا يفطر إلَّا بشاهِدَيْن رَجُلَيْن عَدْلَيْن.
الثّالث: يصام ويفطر بشاهدٍ واحدٍ، قاله أبو ثَوْر.
الرّابع: إنْ كانت السّماء مغيمة [5] ، لم يقبل في الهلال شاهدان [6] -وبه قال سحنون- حتّى يكون الخبر مستفيضًا.
ومدارُ المسألة من طريق الأثر على حديث [7] ابن عبّاس دون غيره، قال: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللهِ - صلّى الله عليه وسلم - فَقَال: إِنِّي رَأَيْتُ الْهِلاَلَ، فَقَالَ: أَتَشْهَدُ ألَّا إِلَهَ إلَّا الله، أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ؟ قَالَ نَعَمْ، قَالَ يَا بِلاَل، أَذِّنْ في النَّاسِ أَنْ يَصُومُوا
(1) في القبس:"النّاس أنّ تُنَاطَ بالعلّويات".
(2) يقول القاضي عبد الوهّاب في الإشراف: 1/ 195 (ط. تونس) "ولا يعتبر بقول المنجمين في دخول وقت الصوم خلافًا لمن ذهب إلى ذلك".
(3) أخرجه البخاريّ (622) ، ومسلم (1092) من حديث ابن عمر.
(4) غ:"مسترقين".
(5) في العارضة:"مصحية".
(6) في العارضة:"إلَّا شاهدان".
(7) "الأثر على حديث"زيادة من العارضة.