قام، فقيل له: إنّها يهوديّة، فقال:"أليست نَفسًا" [1] ، وقيل: إنه تَرَكَهُ، وإنّما يؤخذ في أفعاله بالأَحْدَثِ فالأَحْدَث. وكان القيام من فعل الجاهلية، فقيل: جرى عليه حتّى تركه.
وقال علماؤنا [2] : إنّما كان ذلك منه تعظيمًا للموت، ثمَّ جلسَ بعد ذلك، فكان إذا مُرَّ عليه بجنازة لم يقم إليها، فكان آخر فعله ناسخًا لأوَّلهِ، وهو تفسيرُ قول علي بقوله:"ثُمَّ جَلَسَ بَعْدُ".
المسألة الثّانية:
قال الإمام: والصّحيحُ عندي أنّه منسوخٌ بالجلوسِ، وللحديث الثّالث، قوله:"لَا يَجلِسُ مَنِ اتَّبَعَ جَنَازَةً حَتَّى تُوضَع عَنْ أَعْنَاقِ الرِّجَالِ" [3] فمن قامَ إلى الجنازةِ لم يبلغه النَّسخ، والله أعلم، وقد تَقَدَّم بَيَانُهُ.
المسألة الثّالثة [4] :
مالك [5] ؛ أنَّه بَلَغَهُ أَنَّ عَلِيُّ بنِ أَبِي طَالِبِ كَانَ يَتَوَسَّدُ عَلَى الْقُبُورِ وَيَضطَجِعُ عَلَيهَا. وهو أكثر من الجُلوس الّذي تضمّنه الحديث [6] الّذي تعلّق به ابن مسعود وعَطَاء في المنع من الجلوس على القبور.
ووقع في"كتاب مسلم" [7] عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلّى الله عليه وسلم:"لأَنْ يَجلِسَ أَحَدُكُم عَلَى جَمرَةٍ فَتَحرِقَ ثِيَابَهُ فَتَصِلَ [8] إِلَى جِلدِهِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أنّ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ". وورد حديثٌ لا بأسَ بالجلوس على المقابر، والجمعُ بين هذين الحديثين؛ أنّ يقال: إنّ النّبىَّ صلّى الله عليه إنّما نهى عن ذلك لحاجةِ الإنسانِ، ألَّا ترى أنّ عليًّا كان يتوسَّد عليها ويجلس، وبهذا [9] التّأويل استحسن [10] مالكٌ أنّ النّهي عن الجلوس
(1) أخرجه البخاريّ (1312) ، ومسلم (961) من حديث قيس بن سعيد وسهل بن حَنِيف.
(2) المراد هو الإمام البوني في تفسير الموطّأ: 72/ ب والفقرة التالية مقتبسة منه.
(3) أورده التّرمذيّ في الجامع الكبير: 1/ 349 على أنّه من قول أحمد وإسحاق بن راهويه.
(4) هذه المسألة مقتبسة من المنتقى: 2/ 24 بتصرُّف وزيادات يسيرة.
(5) في الموطّأ (627) رواية يحيى.
(6) في المنتقى:"ظاهر الحديث".
(7) الحديث (971) .
(8) في مسلم:"فَتَخْلُصَ".
(9) غ، جـ:"وهذا"ولعلّ الصواب ما أثبتناه.
(10) جـ:"أحسن".