قال جماعة أهل التَّفسيرِ [1] : رُوِيَ أنَّه حَمَلَهُ على عُنُقِهِ سنةً يَدُورُ به لا يَدْرِي ما يصنعُ به، إلى أنّ بعث اللهُ الغرابَ تنبيهًا [2] له على دَفْنِ أخيهِ، ففعلَ ذلك، وكان سنَّة له ولمن بعدَهُ إلى يوم القيامة، أَنْعَمَ اللهُ بها على عباده وعَدَّدَ النِّعمة بها عليهم في غير ما آية من كتابه، فقال تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا} [3] وقال: {ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ} [4] ، وقال جلَّ جلالُه: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ} الآية إلى قوله: {أُخْرَى} [5] .
والدَّفْنُ أيضًا من فرائضِ الكِفَايَةِ.
مزيد بيان:
قوله: {أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ} [6] فيه دليلٌ على قياس الشَّبَهِ؛ لأنّه لم يَدْرِ كيف يفعل في المواراة.
قال علماؤنا: بعثَ اللهُ الغُرَابَيْنِ فاقتَتَلا، فقتلَ أحدهما الآخر.
قيل: إنّ الغرابَ إنّما بُعِثَ ليُرِي ابنَ آدم كيفيّةَ المُوَارَاةِ وكيف تُسْتَر العورة.
وقيل: لمَّا نَتَنَ صار عَوْرَة كلّه، وسمِّيت سَوْءَة لأنّها تَسوءُ النَّاظر لها، ودَفْنُ الميِّتِ سترٌ له.
وقيل: لئلّا يؤذي الأحياء بجيفته.
وقيل: إنّهما كانا مَلَكَيْن في صورة الغُراب.
وقال ابن مسعود: كانا غُرابَيْنِ أخَوين [7] .
قوله تعالى: {فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ} [8] .
قال الإمام: ومن الغريب أنّ الله أخبر عنه أنّه ندم وأنّه في النّار، وقال
(1) ذكر المؤلِّف في أحكام القرآن: 2/ 589 أنّ هذه الرِّواية هي من رواية ابن القاسم عن مالك.
(2) في المقدِّمات:"مُنبِّهًا"وهذه الرِّواية أخرجها الطّبريّ في تفسيره: 8/ 341 (ط. هجر) .
(3) المرسلات: 25 - 26.
(4) عبس: 21.
(5) طه:20.
(6) المائدة: 31.
(7) أخرجه الطّبريّ في تفسيره: 8/ 337 (ط. هجر) .
(8) المائدة: 31، وانظر أحكام القرآن: 2/ 590.