المسألة السّابعة:
كيف يدخل القبر؟ هذا باب اختلف العلّماء فيه:
فقال أبو حنيفة: يؤخذ من جهة القِبْلَةِ [1] .
وقال الشّافعيّ: من يمين القبر؛ لأنّ ابن عبّاس رُوِيَ أنّه أخذ من يمين القبر، وتلك عادة أهل المدينة.
وحُجَّةُ أبي حنيفة؛ أنّ النّبيَّ - صلّى الله عليه وسلم - أمر بإدخاله من جهة القِبْلَةِ، وكذلك رواه الطحاوي عن ابن عبّاس، وقد بَيَّنَا في"أنوار الفجر"أنّ آدم كان دفنه من جهة القِبْلَةِ، وذكر ذلك النَّخَعِي.
المسألة الثامنة: [2]
فهذا أدخل الميت قبره، فإنّه يستحبُّ تلقينه في تلك السَّاعة، وهو مستحبٌّ، وهو فعلُ أهل المدينة والصالحين والأخيار؛ [3] لأنّه مطابِقٌ لقوله تعالى: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} [4] وأحوج ما يكون العبد إلى التّذكير بالله تعالى عند تغيّر [5] الحال وخروج الرُّوح وعند سؤال الملك؛ لأنّه يخاف عند ذلك أنّ يختلسه الشّيطان فَيُذَكَّر بالله تعالى، ولقوله:"لَقِّنُوا أَمْوَاتَكُمْ لَا إِلَهَ إِلا الله" [6] .
قال الإمام: ولهذه النكتة اختلفَ استفتاحُ المصنِّفينَ في كتبهم في الجنائز، فأمّا البخاريّ فقال في كتاب الجنائز [7] :"مفتاح الجنّة: لا إله إلَّا الله" [8] وأمّا مسلم [9] فقال:"لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ: لَا إِلَهَ إلا الله"لهذا المعنى؛ لأنّه موضع يتعرّض الشيطان فيه لإفساد [10] اعتقاده ودينه وآخرته ويجتهد في ذلك، فأمَر النّبيُّ - صلّى الله عليه وسلم - بذلك ليكون تذكيرًا له وتَنْبِيهًا لما وعدَ به - صلّى الله عليه وسلم -، ولما وقعَ في الحديثِ الآخَرِ أنّه"مَنْ كَانَ آخِرَ كَلاَمِهِ لَا إِلَهَ"
(1) انظر كتاب الأصل: 1/ 421، ومختصر اختلاف العلماء: 1/ 406.
(2) نقل المواق الغرناطي خلاصة الفقرة الأولى من هذه المسألة في سنن المهندين 101 - 102.
(3) في سنن المهتدين:"من الأخيار"
(4) الذاريات: 55.
(5) غ:"تغيير".
(6) أخرجه مسلم (917) من حديث أبي هريرة، بلفظ:"موتاكم"بدل:"أمواتكم".
(7) الكتاب (23) باب في الجنائز (1) .
(8) لفظ البخاريّ في الباب السابق:"وقيل لوهب بن مُنَبِّه: أليس لا إله إلَّا الله مفتاح الجنَّة؟ قال: بلى".
(9) في صحيحه (916) من حديث أبي سعيد الخدري.
(10) غ، جـ:"لفساد"ولعلّ الصواب ما أثبتناه.