وهذا يدل على أن اليهود أصل كل شر ومصدر كل فتنة، وقد صور القرآن الكريم نفسية اليهود بهذا التصوير الدقيق في قوله تعالى: {كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} (المائدة: 64) .
ووجه المقارنة بين ذكر الشياطين والسحر في الآية الكريمة هو أن السحر فيه استعانة بأرواح خبيثة شريرة من الجن والشياطين، تزعم أنها تعلم الغيب وتوهم الناس بذلك، وقد كان بعض الناس يُصَدِّقون فيما يزعمون، ويلجئون إليهم عند الكرب، كما قال تعالى: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} (الجن: 6) ، ولهذا اشتهر السحر عن طريق الاتصال بهذه الأرواح الخبيثة.
أخرج ابن جرير والحاكم عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال:"إن الشياطين كانوا يسترقون السمع من السماء، فإذا سمع أحدهم بكلمة كذب عليها ألف كذبة، فأشربتها قلوب الناس واتخذوها دواوين، فأطلع الله على ذلك سليمان بن داود، فأخذها وقذفها تحت الكرسي، فلما مات سليمان قام الشيطانبالطريق فقال: ألا أدلكم على كنز سليمان الذي لا كنز لأحد مثل كنزه الممنع. قالوا: نعم،"
فأخرجوه فإذا هو سحر، فتناسختها الأمم، فأنزل الله تعالى عذر سليمان فيما قالوا من السحر". أخرجه الحاكم وصححه، وذكره الطبري عن السدي."
ولقد عبر القرآن الكريم عن السحر بالكفر فقال تعالى: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ} وسياق اللفظ يدل على أن المراد منه السحر، أي: وما سَحر سليمان، وإنما عبر عنه بالكفر تقبيحًا وتشنيعًا، كما قال تعالى فيمن ترك الحج مع القدرة عليه: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} (آل عمران: 97) .
وفي هذا التعبير تنفير للناس من السحر ودلالة على أنه من الكبائر الموبقات، بل هو قرين الكفر والإشراك بالله، وقد دل عليه قوله تعالى: {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ} .