والثاني: أنه لما ذكر سليمان في القرآن قالت يهود المدينة: ألا تعجبون لمحمد، يزعم أن ابن داود كان نبيًا، والله ما كان إلا ساحرًا، فنزلت هذه الآية"."
قال تعالى: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا} (البقرة: 102) ذكره ابن إسحاق.
يخبر المولى -جل ثناؤه- أن أحبار اليهود وعلماءهم نبذوا كتابه، الذي أنزل على عبده ورسوله موسى -عليه السلام- وهو التوراة، كما نبذ أحفادهم الكتاب الذي أنزله على نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- وهو القرآن، مع أن الرسول جاء مصدقًا لما بين أيديهم من التوراة، فلا عجب أن يكون الأحفاد مثل الأجداد في الاستكبار والعناد، فهؤلاء ورثوا عن أسلافهم البغي والإفساد والعناد.
والتعبير بالنبذ وراء الظهور فيه زيادة وتشنيع وتقبيح على اليهود؛ حيث تركوا العمل بكتاب الله، وأعرضوا عنه بالكلية، شأن المستخف بالشيء المستهزئ به، وتمسكوا بأساطير من فنون السحر والشعوذة.
يقول سيد قطب -رحمه الله- في (ظلال القرآن) :"والذين أوتوا الكتاب هم الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، والمقصود طبعًا أنهم جحدوه وتركوا العمل به، ولكن التعبير المصور ينقل المعنى من دائرة الذهن إلى دائرة الحس، ويمثل عملهم بحركة مادية يتخيله بصورة مادية متخيلة، تُصور هذا التصرف تصويرًا بشعًا زريًا ينضح بالكنود والجحود، ويتسم بالغلظة والحماقة ويفيض بسوء الأدب والقُحة، ويدع الخيال يتملى هذه الحركة العنيفة، حركة الأيدي تنبذ كتاب الله وراء الظهور".
لقد نبذ أولئك كتاب الله وراء ظهورهم، كأنهم لا يعلمون أنه كتاب الله المنزل على نبيه -صلى الله عليه وسلم- واتبعوا طرق السحر والشعوذة، التي كانت تحدثهم بها الشياطين في عهد مُلك سليمان، وما كان سليمان -عليه السلام- ساحرًا ولا كفر بتعلمه السحر، ولكن الشياطين هم الذين وسوسوا إلى الإنس، وأوهموهم أنهم يعلمون الغيب، وعلموهم السحر حتى فشا أمره بين الناس، والسحر لم يُعرف إلا عند اليهود، فتاريخه مشتهر بظهورهم، فهم الذين نبذوا كتاب الله وسلكوا طريق السحر، وعملوا على إفساد عقول الناس وعقائدهم بطريق السحر والشعوذة والتضليل.