وكما اتبع رؤساء اليهود السحر والشعوذة كذلك اتبعوا ما أنزل على الرجلين الصالحين، أو الملكين هاروت وماروت بمملكة بابل، فقد أنزلهما الله تعالى إلى الأرض لتعليم السحر ابتلاء من الله للناس، وما يُعلِّمان السحر من أجل السحر، وإنما من أجل إبطاله؛ ليظهر للناس الفرق بين المعجزة والسحر، ولله أن يبتلي عباده بما شاء، كما امتحن قوم طالوت بالنهر، وقد كثر السحر في ذلك الزمان، وأظهر السحرة أمورًا غريبة وقع بسببها الشك في النبوة، فبعث الله تعالى الملكين لتعليم أبواب السحر؛ حتى يزيلا التشبيه للمعجزة ويميطا الأذى عن الطريق، ومع ذلك فقد كانا يحذران الناس من تعلم السحر، واستخدامه في الأذى والضرر.
فمن تعلمه ليتوقى ضرره ويدفع أذاه عن الناس، فقد نجا وثبت على الإيمان، ومن تعلمه معتقدًا صحته ليلحق الأذى بالناس فقد ضل وكفر، فكان الناس فريقين؛ فريق تعلمه عن نية صالحة ليدفع ضرره عن الناس، وفريق تعلمه عن نية خبيثة؛ ليفرق بين الرجل وأهله، وبين الصديق وصديقه، ويوقع العداوة والبغضاء بين الناس، وهؤلاء قد خسروا دنياهم وآخرتهم؛ لأنهم عرفوا أن من
تجرد لهذه الأمور المؤذية ما له في الآخرة من نصيب، ولبئس ما باعوا به أنفسهم لو كان عندهم فَهم وإدراك.
ولو أن هؤلاء الذين يتعلمون السحر آمنوا بالله، وخافوا عذابه لأثابهم الله جزاء أعمالهم مثوبة أفضل مما شغلوا به أنفسهم من هذه الأمور الضارة، التي لا تعود عليهم إلا بالويل والخسار والدمار.