والذي ذهب إليه المحققون أن هاروت وماروت كانا رجلين متظاهرين بالصلاح والتقوى فِي بابل وهي مدينة بالعراق على نهر الفرات وكانا يعلمان الناس السحر ، وبلغ حسن اعتقاد الناس بهما أن ظنوا أنهما ملكان من السماء ، وما يعلمانه للناس هو بوحي من الله ، وبلغ مكر هذين الرجلين ، ومحافظتهما على اعتقاد الناس بالحسن فيهما أنهما صارا يقولان لكل من أراد أن يتعلم منهما: {إنما نحن فتنة فلا تكفر} ، أي: إنما نحن أولو فتنة نبلوك ونختبرك ، أتشكر أم تكفر ، وننصح لك أن لا تكفر . يقولان ذلك ليوهما الناس أن علومهما إلهية ، وصناعتهما روحانية ، وأنهما لا يقصدان إلا الخير . كما يفعل ذلك دجاجلة هذا الزمان ، قائلين لما يعلمونهم الكتابة للمحبة والبغض على زعمهم: نوصيك بأن لا تكتب لجلب امرأة متزوجة إلى رجل غير زوجها ، إلى غير ذلك من الأوهام والافتراء .
ولليهود فِي ذلك خرافات كثيرة . حتى إنهم يعتقدون أن السحر نزل عليهما من الله ، وأنهما ملكان جاءا لتعليمه للناس . فجاء القرآن مُكذّباَ لهم فِي دعواهم نزوله من السماء ، وفي ذم السحر ومن يتعلمه أو يعلمه ، فقال: {يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ} الآية ، فـ"ما"هنا نافية ، على أصح الأقوال ، ولفظ"الملكين"هنا وارد حسب العرف الجاري بين الناس فِي ذلك الوقت ، كما يرد ذكر آلهة الخير والشر فِي كتابات المؤلفين عن تاريخ اليونان والمصريين وغيرهم ، وكما يرد فِي كلام المسلم ، فِي الرد على المسيحيين ، ذكر تجسد الإله وصلبه ، وإن كان لا يعتقد ذلك .
وقوله تعالى: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} من قبيل التمثيل ، وإظهار الأمر فِي أقبح صورة ، أي: بلغ من أمر ما يتعلمونه من ضروب الحيل ، وطرق الإفساد ، أن يتمكنوا به من التفريق بين أعظم مجتمع: كالمرء وزوجه .