الخامسة عشرة: قوله تعالى: {وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى الملكين} "ما"نفي ؛ والواو للعطف على قوله: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ} وذلك أن اليهود قالوا: إن الله أنزل جبريل وميكائيل بالسحر ؛ فنفى الله ذلك.
وفي الكلام تقديم وتأخير ، التقدير وما كفر سليمان ، وما أنزل على الملكين ، ولكن الشياطين كفروا يعلّمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت ؛ فهاروت وماروت بدل من الشياطين فِي قوله {ولكن الشياطين كَفَرُواْ} .
هذا أوْلَى ما حُملت عليه الآية من التأويل ، وأصحّ ما قيل فيها ولا يلتفت إلى سواه ؛ فالسحر من استخراج الشياطين للطافة جوهرهم ، ودِقّة أفهامهم ؛ وأكثر ما يتعاطاه من الإنس النساءُ وخاصّةً فِي حال طَمْثِهِنَّ ؛ قال الله تعالى: {وَمِن شَرِّ النفاثات فِي العقد} [الفلق: 4] .
وقال الشاعر:
أعوذ بربيِّ من النَّافثا ...
ت ...
السادسة عشرة: إن قال قائل: كيف يكون اثنان بدلاً من جَمع والبدلُ إنما يكون على حدّ المبدَل منه ؛ فالجواب من وجوه ثلاثة ؛ الأوّل: أن الاثنين قد يُطلق عليهما اسم الجمع ؛ كما قال تعالى: {فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السدس} [النساء: 11] ولا يحجبها عن الثلث إلى السّدس إلا اثنان من الإخوة فصاعداً ؛ على ما يأتي بيانه فِي"النساء".
الثاني: أنهما لمّا كانا الرأس فِي التعليم نصّ عليهما دون اتباعهما ؛ كما قال تعالى: {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} [المدثر: 30] .
الثالث: إنما خُصّا بالذّكر من بينهم لتمرّدهما ؛ كما قال تعالى: {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} [الرحمن: 68] وقوله:"وجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ".
وهذا كثير فِي القرآن وفي كلام العرب ، فقد ينصّ بالذكر على بعض أشخاص العموم إمّا لشرفه وإمّا لفضله ؛ كقوله تعالى: {إِنَّ أَوْلَى الناس بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتبعوه وهذا النبي} [آل عمران: 68] وقوله: