وهذا لا حجة فيه ؛ لأنا لا ننكر أن يكون التخييل وغيره من جملة السحر ، ولكن ثبت وراء ذلك أمور جوّزها العقل ووَرَد بها السمع ؛ فمن ذلك ما جاء فِي هذه الآية من ذكر السحر وتعليمه ، ولو لم يكن له حقيقة لم يمكن تعليمه ، ولا أخبر تعالى أنهم يعلّمونه الناس ، فدلّ على أن له حقيقة.
وقوله تعالى فِي قصة سَحَرة فرعون: {وَجَآءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} وسورة"الفلق"؛ مع اتفاق المفسرين على أن سبب نزولها ما كان من سحر لَبيد بن الأعْصَم ، وهو مما خرّجه البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة رضي الله عنها قالت:"سَحر رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يهوديٌّ من يهود بني زُرَيق يقال له لبيد بن الأعصم الحديث."
وفيه: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال لما حُلّ السّحر:"إن الله شفاني""والشفاء إنما يكون برفع العِلّة وزوال المرض ؛ فدلّ على أن له حقاً وحقيقة ، فهو مقطوع به بإخبار الله تعالى ورسوله على وجوده ووقوعه."
وعلى هذا أهل الحلّ والعقد الذين ينعقد بهم الإجماع ، ولا عبرة مع اتفاقهم بحُثَالة المعتزلة ومخالفتهم أهل الحق.
ولقد شاع السِّحر وذاع فِي سابق الزمان وتكلّم الناس فيه ، ولم يَبْدُ من الصحابة ولا من التابعين إنكار لأصله.
وروى سفيان عن أبي الأعور عن عكرمة عن ابن عباس قال: عُلِّم السحر فِي قرية من قرى مصر يقال لها:"الفَرَما"فمن كذّب به فهو كافر ، مكذِّب لله ورسوله ، منكرٌ لما عُلم مشاهدةً وعِياناً.
الثامنة: قال علماؤنا: لا يُنكر أن يظهر على يد الساحر خَرْق العادات مما ليس فِي مقدور البشر من مرض وتفريق وزوال عقل وتعويج عِضْو ، إلى غير ذلك مما قام الدليل على استحالة كونه من مقدورات العباد.
قالوا: ولا يبعد فِي السحر أن يستدِقَّ جسم الساحر حتى يتولّج فِي الكُوّاتِ والخوخات والانتصاب على رأس قصبة ، والجَرْي على خيط مستدقّ ، والطيران فِي الهواء والمشي على الماء وركوب كلب وغير ذلك.