قلت: وبهذا المعنى الذي ذكرناه فسّره عامر الشعبيّ راوي الحديث وصَعْصَعة بن صُوحان فقالا: أمّا قوله صلى الله عليه وسلم:"إنّ من البيان لسحراً"فالرجل يكون عليه ألحق وهو ألْحَنُ بالحجج من صاحب الحق فَيَسْحَرُ القومَ ببيانه فيذهب بالحق وهو عليه ؛ وإنما يحمد العلماء البلاغة واللسانة ما لم تخرج إلى حدّ الإسهاب والإطناب ، وتصوير الباطل فِي صورة الحق.
وهذا بيّن ، والحمد لله.
السادسة: مِن السِّحر ما يكون كُفْراً من فاعله ؛ مثل ما يدّعون من تغيير صُوَر الناس ، وإخراجهم فِي هيئة بهيمة ، وقطع مسافة شهر فِي ليلة ، والطيران فِي الهواء ؛ فكل مَن فعل هذا ليُوهِم الناس أنه محقّ فذلك كفر منه ؛ قاله أبو نصر عبد الرحيم القُشَيري.
قال أبو عمرو: من زعم أن الساحر يُقلب الحيوان من صورة إلى صورة ، فيجعل الإنسان حماراً أو نحوه ، ويقدر على نقل الأجساد وهلاكها وتبديلها ؛ فهذا يرى قتل الساحر لأنه كافر بالأنبياء ، يدّعي مثل آياتهم ومعجزاتهم ، ولا يتهيّأ مع هذا علم صحة النبوّة إذ قد يحصل مثلها بالحيلة.
وأما من زعم أن السحر خُدَع ومخاريق وتمويهات وتخييلات فلم يجب على أصله قتل الساحر ، إلا أن يقتل بفعله أحداً فيُقتل به.
السابعة: ذهب أهل السُّنة إلى أن السحر ثابت وله حقيقة.
وذهب عامّة المعتزلة وأبو إسحاق الاسترابادي من أصحاب الشافعي إلى أن السحر لا حقيقة له ، وإنما هو تموِيه وتخييل وإيهام لكون الشيء على غير ما هو به ، وأنه ضَرْب من الخفّة والشّعْوَذة ؛ كما قال تعالى: {يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تسعى} [طه: 66] ولم يقل تسعى على الحقيقة ، ولكن قال"يُخَيَّل إليْهِ".
وقال أيضاً: {سحروا أَعْيُنَ الناس} [الأعراف: 116] .