الرابعة: واختلف هل له حقيقة أم لا ؛ فذكر الغَزْنَوِيّ الحنفي فِي عيون المعاني له: أن السحر عند المعتزلة خدع لا أصل له ، وعند الشافعي وسوسة وأمراض.
قال: وعندنا أصله طِلّسْم يُبنى على تأثير خصائص الكواكب ؛ كتأثير الشمس فِي زئبق عصيّ فرعون ، أو تعظيم الشياطين ليسهّلوا له ما عَسُر.
قلت: وعندنا أنه حقّ وله حقيقة يخلق الله عنده ما شاء ، على ما يأتي.
ثم من السحر ما يكون بخفّة اليد كالشَّعْوذة.
والشَّعْوَذِيّ: البريد لخفَّة سيره.
قال ابن فارس فِي المُجْمَل: الشَّعوذة ليست من كلام أهل البادية ، وهي خفة فِي اليدين وأُخْذَةٌ كالسحر ؛ ومنه ما يكون كلاماً يُحفظ ، ورُقىً من أسماء الله تعالى.
وقد يكون من عهود الشياطين ؛ ويكون أدوية وأدخنة وغير ذلك.
الخامسة: سَمَّى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الفصاحةَ فِي الكلام واللِّسانة فيه سِحْراً ؛ فقال:"إنّ من البيان لَسحْراً"أخرجه مالك وغيره.
وذلك لأن فيه تصويب الباطل حتى يتوهّم السامع أنه حق ؛ فعلى هذا يكون قوله عليه السلام:"إنّ من البيان لَسِحْراً"خرج مخرج الذم للبلاغة والفصاحة ، إذ شبّهها بالسحر.
وقيل: خرج مخرج المدح للبلاغة والتفضيل للبيان ؛ قاله جماعة من أهل العلم.
والأوّل أصح ، والدليل عليه قوله عليه السلام:"فلعلّ بعضَكم أن يكون أَلْحَنَ بحجّته من بعض"، وقوله:"إنّ أبغضكم إليّ الثَّرْثَارون المُتَفَيْهِقُون"الثَّرثرة: كثرة الكلام وترديده ؛ يقال: ثرثر الرجل فهو ثَرثار مِهذار.
والمُتَفَيْهِقُ نحوه.
قال ابن دُريد.
فلان يتفَيْهَق فِي كلامه إذا تَوَسّع فيه وتنطّع ؛ قال: وأصله الفَهْق وهو الامتلاء ؛ كأنه ملأ به فمه.