وهنا تدركهم رحمة الله بعد التطهير:
{فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم} ..
ولكن إسرائيل هي إسرائيل! هي هي كثافة حس ، ومادية فكر ، واحتجاباً عن مسارب الغيب.. فإذا هم يطلبون أن يروا الله جهرة ، والذي طلب هذا هم السبعون المختارون منهم ، الذين اختارهم موسى لميقات ربه - الذي فصلت قصته فِي السور المكية من قبل - ويرفضون الإيمان لموسى إلا أن يروا الله عياناً. والقرآن يواجههم هنا بهذا التجديف الذي صدر من آبائهم ، لينكشف تعنتهم القديم الذي يشابه تعنتهم الجديد مع الرسول الكريم ، وطلبهم الخوارق منه ، وتحريضهم بعض المؤمنين على طلب الخوارق للتثبت من صدقه:
{وإذ قلتم: يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة. فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون. ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون. وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى. كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} .. إن الحس المادي الغليظ هو وحده طريقهم إلى المعرفة.. أم لعله التعنت والمعاجزة..
والآيات الكثيرة ، والنعم الإلهية ، والعفو والمغفرة.. كلها لا تغير من تلك الطبيعة الجاسية ، التي لا تؤمن إلا بالمحسوس ، والتي تظل مع ذلك تجادل وتماحل ولا تستجيب إلا تحت وقع العذاب والتنكيل ، مما يوحي بأن فترة الإذلال التي قضوها تحت حكم فرعون الطاغية قد أفسدت فطرتهم إفساداً عميقاً. وليس أشد إفساداً للفطرة من الذل الذي ينشئه الطغيان الطويل ، والذي يحطم فضائل النفس البشرية ، ويحلل مقّوماتها ، ويغرس فيها المعروف من طباع العبيد: استخذاء تحت سوط الجلاد ، وتمرداً حين يرفع عنها السوط ، وتبطراً حين يتاح لها شيء من النعمة والقوة.. وهكذا كانت إسرائيل ، وهكذا هي فِي كل حين..
ومن ثم يجدفون هذا التجديف. ويتعنتون هذا التعنت:
{وإذ قلتم: يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} :