{وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ، ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون. ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون. وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون. وإذ قال موسى لقومه: يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل ، فتوبوا إلى بارئكم ، فاقتلوا أنفسكم ، ذلكم خير لكم عند بارئكم ، فتاب عليكم ، إنه هو التواب الرحيم} ..
وقصة اتخاذ بني إسرائيل للعجل ، وعبادته فِي غيبة موسى - عليه السلام - عندما ذهب إلى ميعاد ربه على الجبل ، مفصلة فِي سورة طه السابقة النزول فِي مكة. وهنا فقط يذكرهم بها ، وهي معروفة لديهم. يذكرهم بانحدارهم إلى عبادة العجل بمجرد غيبة نبيهم ، الذي أنقذهم باسم الله ، من آل فرعون يسومونهم سوء العذاب. ويصف حقيقة موقفهم فِي هذه العبادة: {وأنتم ظالمون} .. ومن أظلم ممن يترك عبادة الله ووصية نبيه ليعبد عجلاً جسداً ، وقد أنقذه الله ممن كانوا يقدسون العجول!
ومع هذا فقد عفا الله عنهم ، وآتى نبيهم الكتاب - وهو التوراة - فيه فرقان بين الحق والباطل ، عسى أن يهتدوا إلى الحق البين بعد الضلال.
ولم يكن بد من التطهير القاسي ؛ فهذه الطبيعة المنهارة الخاوية لا تقومها إلا كفارة صارمة ، وتأديب عنيف. عنيف فِي طريقته وفي حقيقته:
{وإذ قال موسى لقومه: يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل ، فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم. ذلكم خير لكم عند بارئكم} ..
أقتلوا أنفسكم. ليقتل الطائع منكم العاصي. ليطهره ويطهر نفسه.. هكذا وردت الروايات عن تلك الكفارة العنيفة.. وإنه لتكليف مرهق شاق ، أن يقتل الأخ أخاه ، فكأنما يقتل نفسه برضاه. ولكنه كذلك كان تربية لتلك الطبيعة المنهارة الخوارة ، التي لا تتماسك عن شر ، ولا تتناهى عن نكر. ولو تناهوا عن المنكر فِي غيبة نبيهم ما عبدوا العجل. وإذ لم يتناهوا بالكلام فليتناهوا بالحسام ؛ وليؤدوا الضريبة الفادحة الثقيلة التي تنفعهم وتربيهم!