وإنما عدى {نؤمن} باللام لتضمينه معنى الإقرار بالله ولن نقر لك بالصدق والذي دل على هذا الفعل المحذوف هو اللام وهي طريقة التضمين.
والجهرة مصدر بوزن فَعلة من الجهر وهو الظهور الواضح فيستعمل فِي ظهور الذوات والأصوات حقيقة على قول الراغب إذ قال:"الجهر ظهور الشيء بإفراط إما بحاسة البصر نحو رأيته جهاراً ومنه جهر البئر إذا أظهر ماءها ، وإما بحاسة السمع نحو: {وإن تجهر بالقول} [طه: 7] "وكلام"الكشاف"مؤذن بأن الجهر مجاز فِي الرؤية بتشبيه الذي يرى بالعين بالجاهر بالصوت والذي يرى بالقلب بالمخافت ، وكان الذي حداه على ذلك اشتهار استعمال الجهر فِي الصوت وفي هذا كله بعد إذ لا دليل على أن جهرة الصوت هي الحقيقة ولا سبيل إلى دعوى الاشتهارفي جهرة الصوت حتى يقول قائل إن الاشتهار من علامات الحقيقة على أن الاشتهار إنما يعرف به المجاز القليل الاستعمال ، وأما الأشهرية فليست من علامات الحقيقة ، ولأنه لا نكتة فِي هذه الاستعارة ولا غرض يرجع إلى المشبه من هذا التشبيه فإن ظهور الذوات أوضح من ظهور الأصوات.
وانتصب (جهرة) على المفعول المطلق لبيان نوع فعل ترى لأن من الرؤية ما يكون لمحة أو مع سائر شفاف فلا تكون واضحة.
ووجه العدول عن أن يقول عياناً إلى قوله (جهرة) لأن جهرة أفصح لفظاً لخفته ، فإنه غير مبدوء بحرف حلق والابتداء بحرف الحلق أتعب للحلق من وقوعه فِي وسط الكلام ولسلامته من حرف العلة وكذلك يجتبي البلغاء بعض الألفاظ على بعض لحسن وقعها فِي الكلام وخفتها على السمع وللقرآن السهم المعلى فِي ذلك وهو فِي غاية الفصاحة.
وقوله: {فأخذتكم الصاعقة} أي عقوبة لهم عما بدا منهم من العجرفة وقلة الاكتراث بالمعجزات.
وهذه عقوبة دنيوية لا تدل على أن المعاقب عليه حرام أو كفر لا سيما وقد قدر أن موتهم بالصاعقة لا يدوم إلا قليلاً فلم تكن مثل صاعقة عاد وثمود.