واستدلوا بما روي أن يهوديًّا سحر النبي -صلى الله عليه وسلم- فاشتكى لذلك أيامًا، فأتاه جبريل فقال: (( إن رجلًا من اليهود سحرك، عقد لك عقدًا في بئر كذا وكذا، فأرسل -صلى الله عليه وسلم- فاستخرجها فحلها، فقام كأنما نشط من عقال ) ). رواه النسائي عن زيد بن أرقم، وفي الصحيحين عن عائشة:"أن الذي سحره من اليهود يسمى لبيد بن الأعصم".
يقول الصابوني:"مِن استعراض الأدلة نرى أن ما ذهب إليه الجمهور أقوى دليلًا؛ فإن السحر له حقيقة وله تأثير على النفس، فإن إحداث التنافر بين الزوجين، والتفريق بين المرء وأهله، الذي أثبته القرآن الكريم، ليس إلا أثرًا من آثار السحر، ولو لم يكن للسحر تأثير لما أمر القرآن بالتعوذ من شر النفاثات في"
العقد، ولكن كثيرًا ما يكون هذا السحر بالاستعانة بأرواح شيطانية، فالسحر له أثره وضرره، ولكن أثره وضرره لا يصل إلى الشخص إلا بإذن الله، فهو سبب من الأسباب الظاهرة التي تتوقف على مشيئة مسبب الأسباب رب العالمين جل وعلا.
وأما استدلالهم بأنه يلتبس الأمر بين المعجزة والسحر إذا أثبتنا للسحر حقيقة، فنقول: إن الفرق بينهما واضح، فإن معجزات الأنبياء -عليهم السلام- هي على حقائقها، وظاهرها كباطنها، وكلما تأملتها ازددت بصيرة في صحتها، وأما السحر فظاهره غير باطنه، وصورته غير حقيقته، يُعرف ذلك بالتأمل والبحث، ولهذا أثبت القرآن الكريم للسحرة أنهم استرهبوا الناس وجاءوا بسحر عظيم، مع إثبات أن ما جاءوا به إنما كان عن طريق التمويه والتخييل.
قال العلامة القرطبي:"لا ينكر أحد أن يظهر على يد الساحر خرقًا للعادات، بما ليس في مقدور البشر، من مرض وتفريق وزوال عقل وتعويج عضو، إلى غير ذلك، مما قام الدليل على استحالة كونه من مقدورات البشر."