قلت: لأن كل من اتبع شيئاً وجعله أمامه فقد فضّله على غيره ، ومعنى"تتلو"يعني تلت ، فهو بمعنى المضيّ ؛ قال الشاعر:
وإذا مررتَ بقبره فاعقر به ...
كُومَ الهِجان وكلّ طرف سابح
وانضح جوانبَ قبره بدمائها ...
فلقد يكون أخا دَمٍ وذبائح
أي فلقد كان.
و"ما"مفعول ب"اتبعوا"؛ أي اتبعوا ما تقوّلته الشياطين على سليمان وتلته.
وقيل:"ما"نفيٌ ، وليس بشيء لا فِي نظام الكلام ولا فِي صحته ؛ قاله ابن العربي.
{على مُلْكِ سُلَيْمَانَ} أي على شَرعه ونبوّته.
قال الزجاج: المعنى على عهد مُلك سليمان.
وقيل: المعني فِي ملك سليمان ؛ يعني فِي قصصه وصفاته وأخباره.
قال الفرّاء: تصلح على وفي ، فِي مثل هذا الموضع.
وقال"علَى"ولم يقل بَعْدَ لقوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تمنى أَلْقَى الشيطان فِي أُمْنِيَّتِهِ} [الحج: 52] أي فِي تلاوته.
وقد تقدّم معنى الشيطان واشتقاقه ، فلا معنى لإعادته.
والشياطين هنا قيل: هم شياطين الجن ؛ وهو المفهوم من هذا الاسم.
وقيل: المراد شياطين الإنس المتمرّدون فِي الضلال ؛ كقول جرير:
أيام يَدعوننِي الشيطان من غَزلِي ...
وكنّ يَهويْننِي إذ كنتُ شيطانَا
الثانية: قوله تعالى: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ} تبرئة من الله لسليمان ؛ ولم يتقدّم فِي الآية أن أحداً نسبه إلى الكفر ، ولكن اليهود نسبته إلى السحر ، ولكن لما كان السحر كفراً صار بمنزلة من نسبه إلى الكفر ، ثم قال: {ولكن الشياطين كَفَرُواْ} فأثبت كفرهم بتعليم السحر.
و"يُعَلِّمُونَ"فِي موضع نصب على الحال ، ويجوز أن يكون فِي موضع رفع على أنه خبر ثان.
وقرأ الكوفيون سوى عاصم"ولكنِ الشّياطينُ"بتخفيف"لكن"، ورفع النون من"الشياطين"؛ وكذلك فِي الأنفال {ولكن الله رمى} [الأنفال: 18] ووافقهم ابن عامر.
الباقون بالتشديد والنصب.