ولقد زاول اليهود هذا التلبيس والتخليط وكتمان الحق فِي كل مناسبة عرضت لهم ، كما فصل القرآن فِي مواضع منه كثيرة ؛ وكانوا دائما عامل فتنة وبلبلة فِي المجتمع الإسلامي ، وعامل اضطراب وخلخلة فِي الصف المسلم. وسيأتي من أمثلة هذا التلبيس الشيء الكثير!
ثم يدعوهم إلى الاندماج فِي موكب الإيمان ، والدخول فِي الصف ، وأداء عباداته المفروضة ، وترك هذه العزلة والتعصب الذميم ، وهو ما عرفت به يهود من قديم:
{وأقيموا الصلاة ، وآتوا الزكاة ، واركعوا مع الراكعين} ..
ثم ينكر عليهم - وبخاصة أحبارهم - أن يكونوا من الدعاة إلى الإيمان بحكم أنهم أهل كتاب بين مشركين ، وهم فِي الوقت ذاته يصدون قومهم عن الإيمان بدين الله ، المصدق لدينهم القديم:
{أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب؟ أفلا تعقلون؟} ..
ومع أن هذا النص القرآني كان يواجه ابتداء حالة واقعة من بني إسرائيل ، فإنه فِي إيحائه للنفس البشرية ، ولرجال الدين بصفة خاصة ، دائم لا يخص قوماً دون قوم ولا يعني جيلا دون جيل.
إن آفة رجال الدين - حين يصبح الدين حرفة وصناعة لا عقيدة حارة دافعة - أنهم يقولون بأفواههم ما ليس فِي قلوبهم ؛ يأمرون بالخير ولا يفعلونه ؛ ويدعون إلى البر ويهملونه ؛ ويحرفون الكلم عن مواضعه ؛ ويؤولون النصوص القاطعة خدمة للغرض والهوى ، ويجدون فتاوى وتأويلات قد تتفق فِي ظاهرها مع ظاهر النصوص ، ولكنها تختلف فِي حقيقتها عن حقيقة الدين ، لتبرير أغراض وأهواء لمن يملكون المال أو السلطان! كما كان يفعل أحبار يهود!