وهذا الثاني أولى، فإن التجوّز فِي الأفعال أولى من التجوّز فِي الحروف، وهو مذهب البصْريين كما تقدم وإنما أحْوَجَ إلى هذين التأويلين؛ لأن تلا إذا تعدَّى بـ"على"كان المجرور بـ"على"شيئاً يصحّ أن يتلى عليه نحو: تلوت على زيد القرآن، والملك ليس كذلك.
قال أبو مسلم:"تتلو"أي: تكذب على ملك سليمان يقال: تلا عليه: إذا كذب وتلا عنه إذا صدق.
وإذا أبهم جاز الأمران.
قال ابن الخطيب: أي يكون الذي كانوا يخبرون به عن سليمان مما يتلى ويقرأ فيجتمع فيه كل الأوصاف، والتلاوة: الاتباع أو القراءة وهو قريب منه.
قال أبو العباس المقرئ: و"على"ترد على ثلاثة أوجه:
الأول: بمعنى"فِي"كهذه الآية.
وبمعنى"اللام"، قال تعالى
{ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب تَمَاماً عَلَى الذي أَحْسَنَ} [الأنعام: 154] أي: للذي.
وبمعنى""من"، قال تعالى: {الذين إِذَا اكتالوا عَلَى الناس يَسْتَوْفُونَ} [المطفيين: 2] أي: من الناس يستوفون."
و"سليمان"علم أعجمي، فلذلك لم ينصرف.
وقال أبو البقاء رحمه الله تعالى:"وفيه ثلاثة أسباب: العُجْمة والتَّعريف والألف والنون"، وهذا إنما يثبت بعد دخول الاشتقاق فيه، والتصريف حتى تعرف زيادتها، وقد تقدَّم أنهما لا يَدْخُلان فِي الأسماء الأعجميّة، وكرر قوله:"وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ"بذكره ظاهراً؛ تفخيماً له، وتعظيماً؛ كقوله: [الخفيف]
693 -لا أَرَى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيْءٌ
وقد تقدم تحقيق ذلك.
قوله تعالى:"وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ".
هذه الواو عاطفة جملة الاستدراك على ماقبلها.
وقرأ ابن عامر، والكسائي وحمزة بتخفيف"لكن"ورفع ما بعدها، والباقون بالتشديد، والنصب وهو واضح.
وأما القراءة الأولى، فتكون"لكن"مخففة من الثقيلة جيء بها لمجرّد الاستدراك، وإذا خففت لم تعمل عند الجمهور ونٌقِل جواز ذلك عن يونس [والأخفش.