وجاء هذا الترتيب فِي غاية الحسن ، فابتدئ بذكر الله ، ثم بذكر الوسائط التي بينه وبين الرسل ، ثم بذكر الوسائط التي بين الملائكة وبين المرسل إليهم.
فهذا ترتيب بحسب الوحي.
ولا يدل تقديم الملائكة فِي الذكر على تفضيلهم على رسل بني آدم ، لأن الترتيب الذي ذكرناه هو ترتيب بالنسبة إلى الوسائط ، لا بالنسبة إلى التفضيل.
ويأتي قول الزمخشري: بأن الملائكة أشرف من الأنبياء ، إن شاء الله ، قالوا: واختصاص جبريل وميكال بالذكر يدل على كونهما أشرف من جميع الملائكة.
وقالوا: جبريل أفضل من ميكال ، لأنه قدم فِي الذكر ، ولأنه ينزل بالوحي والعلم ، وهو مادة الأرواح.
وميكال ينزل بالخصب والأمطار ، وهي مادة الأبدان ، وغذاء الأرواح أشرف من غذاء الأشباح ، انتهى.
ويحتاج تفضيل جبريل على ميكائيل إلى نص جلي واضح ، والتقدم فِي الذكر لا يدل على التفضيل ، إذ يحتمل أن يكون ذلك من باب الترقي.
ومن: فِي قوله: {من كان عدوًّا} شرطية.
واختلف فِي الجواب فقيل: هو محذوف ، تقديره: فهو كافر ، وحذف لدلالة المعنى عليه.
وقيل الجواب: {فإن الله عدوّ للكافرين} ، وأتى باسم الله ظاهراً ، ولم يأت بأنه عدوّ لاحتمال أن يفهم أن الضمير عائد على اسم الشرط فينقلب المعنى ، أو عائد على أقرب مذكور ، وهو ميكال ، فأظهر الاسم لزوال اللبس ، أو للتعظيم والتفخيم ، لأن العرب إذا فخمت شيئاً كررته بالاسم الذي تقدم له منه: {لينصرنه الله} {إن الله لقوي عزيز} وقول الشاعر:
لا أرى الموت يسبق الموت شيئا ...
وهذه الجملة الواقعة خبراً للشرط ، تحتاج إلى رابط لجملة الجزاء باسم الشرط.
والرابط هنا الاسم الظاهر وهو: الكافرين ، أوقع الظاهر موقع الضمير لتواخي أواخر الآي ، ولينص على علة العداوة ، وهي الكفر ، إذ من عادى من تقدّم ذكره ، أو واحداً منهم ، فهو كافر.