ولقد كان المنتظر أن يكون اليهود فِي المدينة هم أول من يؤمن بالرسالة الجديدة ويؤمن للرسول الجديد ؛ مذ كان القرآن يصدق ما جاء فِي التوراة فِي عمومه ؛ ومذ كانوا هم يتوقعون رسالة هذا الرسول ، وعندهم أوصافه فِي البشارات التي يتضمنها كتابهم ؛ وهم كانوا يستفتحون به على العرب المشركين.
وهذا الدرس هو الشطر الأول من هذه الجولة الواسعة مع بني إسرائيل ؛ بل هذه الحملة الشاملة لكشف موقفهم وفضح كيدهم ؛ بعد استنفاد كل وسائل الدعوة معهم لترغيبهم فِي الإسلام ، والانضمام إلى موكب الإيمان بالدين الجديد.
يبدأ هذا الدرس بنداء علوي جليل إلى بني إسرائيل ، يذكرهم بنعمته - تعالى - عليهم ويدعوهم إلى الوفاء بعهدهم معه ليوفي بعهده معهم ، وإلى تقواه وخشيته ؛ يمهد بها لدعوتهم إلى الإيمان بما أنزله مصدقا لما معهم. ويندد بموقفهم منه ، وكفرهم به أول من يكفر! كما يندد بتلبيسهم الحق بالباطل وكتمان الحق ليموهوا على الناس - وعلى المسلمين خاصة - ويشيعوا الفتنة والبلبلة فِي الصف الإسلامي ، والشك والارتياب فِي نفوس الداخلين فِي الإسلام الجديد. ويأمرهم أن يدخلوا فِي الصف. فيقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ويركعوا مع الراكعين ، مستعينين على قهر نفوسهم وتطويعها للاندماج فِي الدين الجديد بالصبر والصلاة. وينكر عليهم أن يكونوا يدعون المشركين إلى الإيمان ، وهم فِي الوقت ذاته يأبون أن يدخلوا فِي دين الله مسلمين!
ثم يبدأ فِي تذكيرهم بنعم الله التي أسبغها عليهم فِي تاريخهم الطويل. مخاطباً الحاضرين منهم كما لو كانوا هم الذين تلقوا هذه النعم على عهد موسى - عليه السلام - وذلك باعتبار أنهم أمة واحدة متضامنة الأجيال ، متحدة الجبلة.
كما هم فِي حقيقة الأمر وفق ما بدا من صفاتهم ومواقفهم فِي جميع العصور!
ويعاود تخويفهم باليوم الذي يُخاف ، حيث لا تجزي نفس عن نفس شيئاً ، ولا يقبل منها شفاعة ، ولا يؤخذ منها فدية ، ولا يجدون من ينصرهم ويعصمهم من العذاب.