ويستحضر أمام خيالهم مشهد نجاتهم من فرعون وملئه كأنه حاضر. ومشهد النعم الأخرى التي ظلت تتوالى عليهم من تظليل الغمام إلى المن والسلوى إلى تفجير الصخر بالماء.. ثم يذكرهم بما كان منهم بعد ذلك من انحرافات متوالية ، ما يكاد يردهم عن واحدة منها حتى يعودوا إلى أخرى ، وما يكاد يعفو عنهم من معصية حتى يقعوا فِي خطيئة ، وما يكادون ينجون من عثرة حتى يقعوا فِي حفرة.. ونفوسهم هي هي فِي التوائها وعنادها وإصرارها على الالتواء والعناد ، كما أنها هي هي فِي ضعفها عن حمل التكاليف ، ونكولها عن الأمانة ، ونكثها للعهد ، ونقضها للمواثيق مع ربها ومع نبيها.. حتى لتبلغ أن تقتل أنبياءها بغير الحق ، وتكفر بآيات ربها ، وتعبد العجل وتجدف فِي حق الله فترفض الإيمان لنبيها حتى ترى الله جهرة ؛ وتخالف عما أوصاها به الله وهي تدخل القرية فتفعل وتقول غير ما أمرت به ؛ وتعتدي فِي السبت ، وتنسى ميثاق الطور ، وتماحل وتجادل فِي ذبح البقرة التي أمر الله بذبحها لحكمة خاصة...
وهذا كله مع الإدعاء العريض بأنها هي وحدها المهتدية ؛ وأن الله لا يرضى إلا عنها ، وأن جميع الأديان باطلة وجميع الأمم ضالة عداها! مما يبطله القرآن فِي هذه الجولة ، ويقرر أن كل من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا من جميع الملل ، فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون..
هذه الحملة - سواء ما ورد منها فِي هذا الدرس وما يلي منها فِي سياق السورة - كانت ضرورية أولاً وقبل كل شيء لتحطيم دعاوى يهود ، وكشف كيدها ، وبيان حقيقتها وحقيقة دوافعها فِي الدس للإسلام والمسلمين. كما كانت ضرورية لتفتيح عيون المسلمين وقلوبهم لهذه الدسائس والمكايد التي توجه إلى مجتمعهم الجديد ، وإلى الأصول التي يقوم عليها ؛ كما توجه إلى وحدة الصف المسلم لخلخلته وإشاعة الفتنة فيه.