ثم عطف عليه: {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ} فالمراد بما أنزل هو: علم السحر الذي نزلا ليعلماه الناس ، حتى يحذروا منه ، فالسبب فِي نزولهما هو: تعليم الناس أبوابا من السحر ، حتى يعلم الناس الفرق بين السحر والنبوة ، وأن سليمان لم يكن ساحرا ، وإنما كان نبيا مرسلا من ربه ، وقد احتاط الملكان عليهما السلام غاية الاحتياط ، فما كانا يُعلِّمان أحدا شيئا من السحر حتى يُحذِّراه ، ويقولا له: إنما نحن فتنة أي بلاء واختبار ، فلا تكفر بتعلمه والعمل به ، وأما من تعلمه للحذر منه ، وليعلم الفرق بينه وبين النبوة والمعجزة ؛ فهذا لا شيء فيه ، بل هو أمر مطلوب ، مرغوب فيه إذا دعت الضرورة إليه ، ولكن الناس ما كانوا يأخذون بالنصيحة ، بل كانوا يفرقون به بين المرء وزوجه ، وذلك بإذن الله ومشيئته ، وقد دلت الآية: على أن تعلم السحر لتحذير الناس من الوقوع فيه والعمل به
مباح ، ولا إثم فيه ، وأيضا تعلمه ؛ لإزالة الاشتباه بينه ، وبين المعجزة ، والنبوة مباح ، ولا إثم فيه ، وإنما الحرم والإثم فِي تعلمه أو تعليمه للعمل به ، فهو مثل ما قيل:
عرفت الشر لا للشر لكن لتوقِّيهِ
ومن لا يعرف الشر من الناس يقعْ فِيهِ