بينهما ، وبين أهل السماء ، فنظرت الملائكة إلى ما قد وقعا فيه من الذنوب ، وعرفوا أنه من كان فِي غيب فهو أقل خشية فجعلوا بعد ذلك يستغفرون لمن فِي الأرض ، فلما وقعا فيما وقعا فيه من الخطيئة ، قيل لهما: اختارا عذاب الدنيا ، أو عذاب الآخرة ، فقالا: أما عذاب الدنيا فينقطع ويذهب ، وأما عذاب الآخرة فلا انقطاع له ، فاختارا عذاب الدنيا فجعلا ببابل فهما بها يعذبان معلقين بأرجلهما ، وفي بعض الروايات ، أنهما علماها الكلمة التي يصعدان بها إلى السماء ، فصعدت ، فمسخها الله ، فهي هذا الكوكب المعروف بالزهرة1.
ويذكر السيوطي أيضًا فِي كتابه ما رواه ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، والحاكم وصححه2 ، والبيهقي فِي سننه: عن عائشة ، أنها قدمت عليها امرأة من دومة الجندل ، وأنها أخبرتها أنها جيء لها بكلبين أسودين فركبت كلبا ، وركبت امرأة أخرى الكلب الآخر ، ولم يمض غير قليل ، حتى وقفتا ببابل ، فإذا هما برجلين معلقين بأرجلهما ، وهما هاروت وماروت ، واسترسلت المرأة التي قدمت على عائشة فِي ذكر قصة عجيبة غريبة.
ويذكر أيضا: أن ابن المنذر أخرج من طريق الأوزاعي ، عن هارون بن رباب ، قال: دخلت على عبد الملك بن مروان وعنده رجل قد ثنيت له وسادة ، وهو متكئ عليها ، فقالوا: هذا قد لقي هاروت ، وماروت فقالوا له: حدثنا رحمك الله: فأنشأ الرجل يحدث بقصة عجيبة غريبة3.
وكل هذا من خرفات بني إسرائيل ، وأكاذيبهم التي لا يشهد لها عقل ، ولا نقل ، ولا شرع ، ولم يقف بعض رواة هذا القصص الباطل عند روايته عن بعض الصحابة والتابعين ولكنهم أوغلوا باب الإثم ، والتجني الفاضح ، فألصقوا هذا الزور إلى النبي صلى الله عليه وسلم ورفعوه إليه ، فقد قال السيوطي: أخرج سعيد ، وابن جرير ، والخطيب فِي تاريخ ، عن نافع ، قال: سافرت مع ابن عمر ، فلما كان من آخر الليل:
1 الزُّهَرة كرُطَبة - يعني بضم الزاي وفتح الهاء - نجم فِي السماء كما فِي القاموس وغيره.
2 تصحيح الحاكم غير معتدٍّ به ؛ لأنه معروف أنه متساهل فِي الحكم بالتصحيح كما قال ابن الصلاح وغيره ، وقد صحح أحاديث تعقبها الإمام الذهبي وحكم عليها بالوضع.
3 الدر المنثور ص 101 تفسير الطبري ج1 ص 366.