وهذا الذي قلنا هو الظاهر المتبادر من السياق ، وهو أولى ما حملت عليه الآية . (1)
أن المروي - عن الصحابة والتابعين - فِي قصة هاروت وماروت ، حاصلها راجع فِي تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل ، ولا يصح فيها حديث مرفوع (2) ، والأصل أنه لا يصح حمل الآية على تفسيرات وتفصيلات لأمور مغيبة لا دليل عليها من القرآن والسنة . (3)
أن ما نسب إلى الملكين - بأنهما شربا الخمر ، وقتلا ، نفساً وزنيا - غير جائز فِي حقهما لما تقرر من عصمة الملائكة - عليهم السلام - من ذلك . (4)
فإن قيل: إن تعليم الملكين للسحر كفر ، لقوله تعالى: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ} (5) وهذا فيه قدح بعصمتهم لأنه لا يجوز عليهم تعليم السحر ؟
فجوابه:
أنه ليس فِي تعليم الملكين للسحر كفر ، ولا يأثمان بذلك ؛ لأنه كان بإذن الله لهما ، وهما مطيعان فيه ، وإنما الإثم على من تعلمه من الناس ، وقد أخبر سبحانه بأن الملكان كانا ينهيان عن تعلمه أشد النهي ، حيث قال: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ} (6) .
(1) انظر: قواعد الترجيح (1/137) .
(2) تفسير ابن كثير (1/146) .
(3) انظر: قواعد الترجيح (1/225) .
(4) أجمع المسلمون على أن الملائكة مؤمنون مكرمون ، واتفق أئمة المسلمين على أن حكم المرسلين منهم حكم النبيين فِي العصمة والتبليغ ، واختلفوا فِي غير المرسلين منهم ، والصواب عصمة جميعهم ، وتنزيه مقامهم الرفيع عن جميع ما يحط من رتبتهم ومنزلتهم . انظر: الشفا للقاضي عياض (2/ 181) ، ومفاتيح الغيب (2/ 152) وتفسير القرطبي (2/ 36) ، وتفسبر الخازن (1/ 66) ، وتفسير البحر المحيط (1/ 292 ، 498) .
(5) البقرة: 102 .
(6) البقرة: 102 .