الذي يظهر - والله أعلم - أن هاروت وماروت كانا ملكين من ملائكة السماء أنزلهما الله - عز وجل - إلى الأرض فتنة للناس وامتحاناً ، وأنهما كانا يعلمان الناس السحر بأمر الله - عز وجل - لهما .
ولله تعالى أن يمتحن عباده بما شاء كما امتحن جنود طالوت بعدم الشرب من النهر فِي قوله تعالى: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (259) } (1) وكما امتحن عباده بخلق إبليس وهو أصل الشر ، ونهى عباده عن متابعته وحذر منه . (2)
برهان ذلك:
قوله تعالى فِي الآية: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ}
فالضمير فِي قوله: {يُعَلِّمَانِ} وقوله: {مِنْهُمَا} عائد على الملكين ؛ لأنهما أقرب مذكور ، ولأنه ورد بصيغة التثنية فهو مبدل منهما .
وفي قولهما: {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ} دليل واضح على أنهما كانا يعلمان السحر ، وإلا فما فائدة تحذيرهما من ذلك ؟! (3)
(1) البقرة: 259 .
(2) انظر: الوسيط (1/185) ، أحكام من القرآن الكريم (368 - 369) ، عالم السحر (254) .
(3) انظر: جامع البيان للطبري (1/499 - 500) ، والشفا (2/ 181) .