وثانيهما: بيان أن الآتي بتلك الأعمال كيف يكون ثوابه وهو من هذا الوجه بشرى، ولما كان الأول مقدماً على الثاني فِي الوجود لا جرم قدم الله لفظ الهدى على لفظ البشرى،
فإن قيل: ولم خص كونه هدى وبشرى بالمؤمنين مع أنه كذلك بالنسبة إلى الكل؟ الجواب من وجهين: الأول: أنه تعالى إنما خصهم بذلك، لأنهم هم الذين اهتدوا بالكتاب فهو كقوله تعالى: {هُدًى لّلْمُتَّقِينَ} .
والثاني: أنه لا يكون بشرى إلا للمؤمنين، وذلك لأن البشرى عبارة عن الخبر الدال على حصول الخير العظيم وهذا لا يحصل إلا فِي حق المؤمنين، فلهذا خصهم الله به. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 3 صـ 179 - 180}
{مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} من الكتب الإلهية التي معظمها التوراة وانتصاب {مُصَدّقاً} على الحال من الضمير المنصوب فِي {نَزَّلَهُ} إن كان عائداً للقرآن وإن كان لجبريل فيحتمل وجهين، أحدهما: أن يكون حالاً من المحذوف لفهم المعنى كما أشرنا إليه، والثاني: أن يكون حالاً من جبريل، والهاء إما للقرآن أو لجبريل فإنه مصدق أيضاً لما بين يديه من الرسل والكتب.
{وَهُدًى وبشرى لِلْمُؤْمِنِينَ} معطوفان على {مُصَدّقاً} فهما حالان مثله، والتأويل غير خفي، وخص المؤمنين بالذكر لأنه على غيرهم عمي، وقد دلت الآية على تعظيم جبريل والتنويه بقدره حيث جعله الواسطة بينه تعالى وبين أشرف خلقه، والمنزل بالكتاب الجامع للأوصاف المذكورة، ودلت على ذم اليهود حيث أبغضوا من كان بهذه المنزلة العظيمة الرفيعة عند الله تعالى، قيل: وتعلقت الباطنية بهذه الآية وقالوا: إن القرآن إلهام والحروف عبارة الرسول صلى الله عليه وسلم، ورد عليهم بأنه معجزة ظاهرة وباطنة وإن الله تعالى سماه قرآناً وكتاباً وعربياً، وإن جبريل نزل به والملهم لا يحتاج إليه. انتهى انتهى. {روح المعاني حـ 1 صـ 333}