ما فهم من كلامه إنه حمل بَني إسْرَائيلَ في قَوْله تَعَالَى: (وإذ أخذنا ميثاق بَني إسْرَائيلَ)
عَلَى قدمائهم حيث قال يريد بهما أي بالصلاة والزكاة ما فرض عليهم في
ملتهم فيكون هذا شرحًا لا يرضي قائله. نعم له وجه في الْجُمْلَة لأن ميثاق التوحيد مأخوذ
منهم برمتهم لكن الْكَلَام في حل مراد المصنف فحِينَئِذٍ يكون تَغْليب المخاطبين وهم الأبناء
على الغيب وهم الآباء ثم إن الإمام ذكر أن في خطاب توليتم ثلاثة وجوه: أحدها أن يكون
لأسلاف الْيَهُود وثانيهما لأخلافهم وثالثها أن خطاب توليتم للأسلاف وخطاب أنتم
للأخلاف، والظَّاهر من كلام المصنف عدم التفرقة بين خطاب توليتم وبين أنتم.
قوله: (ورفضتموه) بيان ما هُوَ الْمُرَاد من إعراض الميثاق.
قوله: (يريد به من أقام الْيَهُودية عَلَى وجهها قبل النسخ) به دليل صريح عَلَى ما قلنا
من أن مذاق المصنف تَخْصيص الميثاق بقدماء الْيَهُود أولًا ثم اختيار التَغْليب هنا وإن كان في
أول كلامه ما يشعر خلافه؛ إذ قوله (ومن أسلم منهم) إشَارَة إلَى الموجودين. قوله: من أقام
الْيَهُودية الخ. تنبيه عَلَى الأسلاف والإعراض الذي تحقق فيهم قبل إسلامهم كلا [إعراض]
إذ الاعتبار بالخواتم لا سيما عند الأشعري فلا إشكال أصلًا.
قوله: (قوم عادتكم الإعراض عن الوفاء والطاعة) لما كان أصل إعراضهم مُسْتَفَادًا من
قَوْلُه تَعَالَى: (ثُمَّ وَلَّيْتُمْ) أول قوله: (وأنتم معرضون) بذلك
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: قوم عادتكم الإعراض. إشَارَة إلَى أن جملة (وأنتم معرضون) معترضة جيء بها
للتذييل كما سيجيء في قوله عز وجل: (ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعجْلَ منْ بَعْده وَأَنْتُمْ ظَالمُونَ)
ومعنى الاعتياد مُسْتَفَاد من اسمية الْجُمْلَة. قيل لا يجوز أن تكون الواو للحال لأن التولي
والإعراض واحد فيكون تَقْييدًا للشيء بنفسه، وروي عن أبي علي أن الحال مؤكدة كما في قوله
تَعَالَى: (ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبرينَ) وقال الرَّاغب (وأنتم معرضون) حال مؤكدة ونقل
بعضهم عنه أن التولي هُوَ أن يرجع عودًا عَلَى بدء والإعراض أن يأخذ عن المنهج إلَى عرف فهما
مشتركان في ترك السلوك والمعرض أسوء حالًا من المتولي؛ لأن المتولي متى ندم سهل عليه
الرجوع والمعرض يحتاج إلَى طلب متجدد لأنه ترك المنهح وغاية الذم الجمع بين الأمرين فلما
أريد أن يذموا عَلَى الوجه الأبلغ قيد توليهم بالإعراض وعلى هذا تكون حالًا منتقلة لا مؤكدة. وقيل
إن التولي قد يكون لحاجة تدعو إلَى الانصراف مع ثبوت العقد والإعراض هُوَ الانصراف عن
الشيء بالقلب فيكونا متغايرين لكن المفهوم من كلام الكَشَّاف حيث قال وأنتم قوم عادتكم
الإعراض عن المواثيق والتَّوْلية أن الإعراض والتولية واحد فحين حمل معنى الْجُمْلَة عَلَى الحال
يكون حالًا مؤكدة نظرًا إلَى اتحاد القيد والمقيد فقول من قال الْجُمْلَة اعتراض لا حال لقلة فائدتها
في حيز السقوط لكثرة وقوع الحال المؤكدة في كلام البليغ التوكيد الحكم وتثبيته وخصوصًا أنه
أمكن أن يحمل عَلَى الحال المنتقلة بناء عَلَى تغايرهما وقصدًا إلَى غاية ذمهم عَلَى ما قرر آنفًا.