النوع الرابع من السحر: التخيلات ، والأخذ بالعيون والشعبذة ، ومبناه [على] أن البصر قد يخطئ ويشتغل بالشيء المعين دون غيره ، ألا ترى أن المشعبذ الحاذق يظهر عمل شيء يذهل أذهان الناظرين به ، ويأخذ عيونهم إليه ، حتى إذا استفرغهم الشغل بذلك الشيء بالتحديق ونحوه ، عمل شيئًا آخر عَمَلا بسرعة شديدة ، وحينئذ يظهر لهم شيء آخر غير ما انتظروه. فيتعجَّبون منه جدًا ، ولو أنه سكت ولم يتكلم بما يصرف الخواطر إلى ضد ما يريد أن يعمله ، ولم تتحرك النفوس والأوهام إلى غير ما يريد إخراجه ، لفطن الناظرون لكل ما يفعله.
قال: وكلما كانت الأحوال تفيد حسن البصر نوعًا من أنواع الخلل أشد ، كان العمل
أحسنَ ، مثل أن يجلس المشعبذ فِي موضع مضيء جدًا ، أو مظلم ، فلا تقف القوة الناظرة على أحوالها بكلالها والحالة هذه.
قلت: وقد قال بعض المفسرين: إن سحر السحرة بين يدي فرعون إنما كان من باب الشعبذة ، ولهذا قال تعالى: {فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} [الأعراف: 116] وقال تعالى: {يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} [طه: 66] قالوا: ولم تكن تسعى فِي نفس الأمر. والله أعلم.