{وهدى وبشرى} : معطوفان على مصدّقاً، فهما حالان، فيكون من وضع المصدر موضع اسم الفاعل كأنه قال: وهادياً ومبشراً، أو من باب المبالغة، كأنه لما حصل به الهدى والبشرى، جعل نفس الهدى والبشرى.
والألف فِي بشرى للتأنيث، كهي فِي رجعى، وهو مصدر.
وقد تقدّم الكلام على المعنى فِي قوله: {وبشر الذين آمنوا} فِي أوائل هذه السورة، والمعنى: أنه وصف القرآن بتصديقه لما تقدّمه من الكتب الإلهية، وأنه هدى، إذ فيه بيان ما وقع التكليف به من أعمال القلوب والجوارح، وأنه بشرى لمن حصل له الهدى.
فصار هذا الترتيب اللفظي فِي هذه الأحوال، لكون مدلولاتها ترتبت ترتيباً وجودياً.
فالأول: كونه مصدّقاً للكتب، وذلك لأن الكتب كلها من ينبوع واحد.
والثاني: أن الهداية حصلت به بعد نزوله على هذه الحال من التصديق.
والثالث: أنه بشرى لمن حصلت له به الهداية.
وقال الراغب: وهدى من الضلالة وبشرى بالجنة.
{للمؤمنين} : خص الهدى والبشرى بالمؤمنين، لأن غير المؤمنين لا يكون لهم هدى به ولا بشرى، كما قال: {وهو عليهم عمى} ولأن المؤمنين هم المبشرون، {فبشر عبادي} {يبشرهم ربهم برحمة منه} ودلت هذه الآية على تعظيم جبريل والتنويه بقدره، حيث جعله الواسطة بينه تعالى وبين أشرف خلقه، والمنزل بالكتاب الجامع للأوصاف المذكورة.
ودلت على ذم اليهود حيث أبغضوا من كان بهذه المنزلة الرفيعة عند الله تعالى، قالوا: وهذه الآية تعلقت بها الباطنية، وقالوا: إن القرآن إلهام والحروف عبارة الرسول.
وردّ عليهم: بأنه معجزة ظاهرة بنظمه، وأن الله سماه وحياً وكتاباً وعربياً، وأن جبريل نزل به، والملهم لا يحتاج إلى جبريل. انتهى انتهى. {البحر المحيط حـ 1 صـ 488 - 489}