وأضاف القلب إلى الكاف التي للخطاب ، ولم يضفه إلى ياء المتكلم ، وإن كان نظم الكلام يقتضيه ظاهراً ، لأن قوله: {من كان عدواً لجبريل} ، هو معمول لقول مضمر ، التقدير: قل يا محمد قال الله من كان عدواً لجبريل فإنه نزله على قلبك.
وإلى هذا نحا الزمخشري بقوله: جاءت على حكاية كلام الله تعالى ، كأنه قيل: ما تكلمت به من قولي: {من كان عدواً لجبريل فإنه نزله على قلبك} ، وكلامه فيه تثبيج.
وقال ابن عطية: يحسن فِي كلام العرب أن يحرز اللفظ الذي يقوله المأمور بالقول ، ويحسن أن يقصد المعنى بقوله ، فيسرده مخاطبة له ، كما تقول: قل لقومك لا يهينوك ، فكذلك هذه الآية ، ونحو من هذا قول الفرزدق:
ألم تر أني يوم جوّ سويقة ...
دعوت فنادتني هنيدة ماليا
فأحرز المعنى ، ونكب عن نداء هنيدة مالك.
انتهى كلامه ، وهو تخريج حسن ، ويكون إذ ذاك الجملة الشرطية معمولة للفظ: قل ، لا لقول: مضمر ، وهو ظاهر الكلام {بإذن الله} : أي بأمر الله ، اختاره فِي المنتخب ومنه: {لا تكلم نفس إلا بإذنه} {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} وقد صرح بذلك فِي: {وما نتنزل إلا بأمر ربك} أو بعلمه وتمكينه إياه من هذه المنزلة ، قاله ابن عطية ؛ أو باختياره ، قاله الماوردي ، أو بتيسيره وتسهيله ، قاله الزمخشري.
{مصدّقاً لما بين يديه} : انتصاب مصدقاً على الحال من الضمير المنصوب فِي نزله ، إن كان يعود على القرآن ، وإن عاد على جبريل فيحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون حالاً من المجرور المحذوف لفهم المعنى ، لأن المعنى: فإن الله نزل جبريل بالقرآن مصدقاً.
والثاني: أن يكون حالاً من جبريل.
وما: فِي لما موصولة ، وعنى بها الكتب التي أنزل الله على الأمم قبل إنزاله ، أو التوراة والإنجيل.
والهاء: فِي بين يديه يحتمل أن تكون عائدة على القرآن ، ويحتمل أن تعود على جبريل.
فالمعنى مصدقاً لما بين يديه من الرسل والكتب.